بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 8 فبراير 2020

ومن ظنّ أن الرّزق يأتي بحيلة، ... فقد كذّبته نفسه، وهو آثم



وينسب إلى أحصّ حلب، شاعر يعرف بالناشي الأحصّي، كان في أيام سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان، له خبر ظريف، أنا مورده ههنا، وإن لم أكن على ثقة منه، وهو أن هذا الشاعر الأحصّي دخل على سيف الدولة، فأنشده قصيدة له فيه، فاعتذر سيف الدولة بضيق اليد يومئذ، وقال له: أعذر فما يتأخر عنا حمل المال إلينا، فإذا بلغك ذلك فأتنا لنضاعف جائزتك، ونحسن إليك. فخرج من عنده فوجد على باب سيف الدولة كلابا تذبح لها السّخال وتطعم لحومها، فعاد إلى سيف الدولة فأنشده هذه الأبيات:

رأيت بباب داركم كلابا، ... تغذّيها وتطعمها السّخالا

فما في الأرض أدبر من أديب، ... يكون الكلب أحسن منه حالا

ثم اتفق أن حمل إلى سيف الدولة أموال من بعض الجهات على بغال، فضاع منها بغل بما عليه، وهو عشرة آلاف دينار، وجاء هذا البغل حتى وقف على باب الناشي الشاعر بالأحصّ، فسمع حسّه، فظنّه لصّا، فخرج إليه بالسلاح، فوجده بغلا موقرا بالمال، فأخذ ما عليه من المال وأطلقه. ثم دخل حلب ودخل على سيف الدولة وأنشده قصيدة له يقول فيها:

ومن ظنّ أن الرّزق يأتي بحيلة، ... فقد كذّبته نفسه، وهو آثم

يفوت الغنى من لا ينام عن السّرى، ... وآخر يأتي رزقه وهو نائم

فقال له سيف الدولة: بحياتي! وصل إليك المال الذي كان على البغل؟

فقال: نعم.

فقال: خذه بجائزتك مباركا لك فيه.

فقيل لسيف الدولة: كيف عرفت ذلك؟

قال عرفته من قوله:

وآخر يأتي رزقه وهو نائم

بعد قوله:

يكون الكلب أحسن منه حالا


_____________________________

ياقوت الحموي (المتوفى: 626هـ): معجم البلدان 1 / 114 - 115 - دار صادر - الطبعة: الثانية، 1995 م.

وصف الحكماء والملوك للبزاة



قال المسعودي: وقد وصفت الحكماء والملوك البزاة، وأغربت في الوصف، وأطنبت في المدح، فقال خاقان ملك الترك: البازي شجاع مريد مؤبد.
وقال كسرى أنوشروان:البازي رفيق يحسن الإشارة الاناة ولا يؤخر الفرص إذا أمكنت.
وقال قيصر: البازي ملك كريم، إن احتاج أخذ وإن استغنى ترك.

وقالت الفلاسفة: حسبك من البازي سرعة في الطلب وقوة على الرزق وفي السمو إذا طالت قوادمه وبعد ما بين منكبيه فذلك أبعد لغايته وأخف لسرعته، ألا ترى إلى الصقور لا تزداد في غاياتها إلا بعداً وسرعة وقوة على التكرار، وذلك لطول قوادمها مع كثافة أجسامها، وإنما قصرت غاية البازي لقصر جناحيه ورقة جسمه، فإذا طالت به الغاية أخره ذلك حتى تشتد نفسه، ولا تؤتى الجوارح إلا من قصر القوادم، ألا ترى أن الدراج والسمان والحجل وأشباهها حين قصرت قوادمها، كيف قصرت غاياتها؟ 

وقال أرستجانس: البازي طير عاري الحجاب، وما يفوته في كسوره يزيده في أخمصه ورجليه، وهو أضعف الطير جسماً، وأقواها قلباً وأشجعها، وذلك لفضله على سائر الطير بالجزء الذي فيه من الحرارة التي ليست في شيء منها، ووجدنا صدورها منسوجة بالعصب لا لحم عليها. 

وقال جالينوس مؤيداً لما ذهب اليه أرستجانس: إن البازي لا يتخذ وكراً إلا في شجرة لفَّاء مشتبكة بالشوك مختلفة الحجون بين شجر عسيٍ خشن طلباً للكنّ ودفعها لألم الحر والبرد، فإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتاً وسقفه تسقيفاً لا يصل إليه منه مطر ولا ثلج إشفاقاً على نفسه وفراخه من البرد والضر.

__________________________

أبو الحسن المسعودي (المتوفى: 346هـ): مروج الذهب ومعادن الجوهر 1/ 211 - 212 - دار الهجرة - تاريخ النشر: 1409هـ.

تطور اللغات



قال المسعودي: وسألت جماعة من أقباط مصر بالصعيد وغيره من أهل الخبرة عن تفسير اسم فرعون فلم يخبروني عن معنى ذلك ولا تحصل لي في لغتهم، فيمكن- والله أعلم- أن هذا الاسم كان سمة لملوك تلك الأعصار.
وأن تلك اللغة تغيرت كتغير الفهلوية، وهي الفارسية الأولى إلى الفارسية الثانية، وكاليونانية إلى الرومية، وتغير الحميرية وغير ذلك من اللغات. انتهى كلام المسعودي.

قلت: وليس بمستبعد هذه المقالة لأن لسان العرب وهو أشرف الألسن وبه نزل القرآن الكريم قد تغير الآن غالبه، وصارت العامة وغيرها تتكلم بكلام لو سمعه بعض أعراب ذلك الزمان لما فهموه لتغير ألفاظه.
وكذلك اللغة التركية، فإن لسان المغل الآن لا يعرفه جند زماننا هذا ولا يتحدثون به، ولو سمعوه لما فهموه، وأشياء كثيرة من هذا. اهـ.
_______________________

يوسف بن تغري بردي (المتوفى: 874هـ): النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 1 / 61 - وزارة الثقافة والإرشاد القومي.




السبت، 4 يناير 2020

إِجْرَاء عين عَرَفَات إِلَى مَكَّة (أعظم أعمال السلطان سليمان القانوني)



وَمِنْهَا: وَهُوَ أعظمها إِجْرَاء عين عَرَفَات إِلَى مَكَّة. وَسبب ذَلِك: أَن الْعين الَّتِي كَانَت بِمَكَّة هِيَ عين حنين الَّتِي أجرتهَا زبيدة بنت جَعْفَر بن الْمَنْصُور زَوْجَة الرشيد، وَاسْمهَا: أمة الْعَزِيز، لِأَن جدها الْمَنْصُور كَانَ يرقصها وَهِي طفلة وَيَقُول: أَنْت زبيدة. فغلب على اسْمهَا، وَكَانَت من أهل الْخيرَات فصرفت عَلَيْهَا خَزَائِن أَمْوَال إِلَى أَن جرت وَهِي فِي وَاد قَلِيل الأمطار بَين جبال شَوَاهِق عاليات خاليات من الْمِيَاه والنبات، وَشقت لَهُ الْقَنَاة فِي الْجبَال إِلَى أَن سلك المَاء من أَرض الْحل إِلَى الْحرم، وَجعلت لَهَا شحاحيذ من كل جبل يكون ذيله مَظَنَّة للْمَاء وَجعلت مِنْهُ قناة مُتَّصِلَة، ومنبع هَذِه الْعين جبل شامخ من تِلْكَ الْجبَال يُقَال لَهُ (طاد) بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَالْألف بعْدهَا دَال مُهْملَة من جبال الثَّنية من طَرِيق الطَّائِف، وَكَانَ المَاء يجْرِي إِلَى أَرض حنين تسقى بِهِ مزارع ونخل مَمْلُوكَة للنَّاس، فاشترت زبيدة ذَلِك الْمحل وأبطلت تِلْكَ الْمزَارِع وَالنَّخْل فَصَارَت تِلْكَ الشحاحيذ يحصل مِنْهَا المدد لهَذِهِ الْعين، وَصَارَ كل شحاذ عينا يساعد عين حنين.

مِنْهَا: عين مشاش، وَعين مَيْمُون، وَعين الزَّعْفَرَان، وَعين البارود، وَعين الطان، وَعين ثقبة، كلهَا تنصب فِي ذيل عين، وَيزِيد بَعْضهَا، وَينْقص بِحَسب الأمطار إِلَى أَن وصلت عين حنين إِلَى مَكَّة المشرفة.

ثمَّ إِنَّهَا أمرت بإجراء عين وَادي نعْمَان إِلَى عَرَفَة وَهِي عين منبعها ذيل جيل كرا وَهُوَ جبل مَعْرُوف فَيصب المَاء من ذيله فِي قناة إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ: الأوجر من وَادي نعْمَان، وَمِنْه إِلَى مَوضِع بَين جبلين شاهقين علو عَرَفَات، ثمَّ مِنْهُ يجْرِي فِي الْقَنَاة إِلَى أَرض عَرَفَات، ثمَّ أدارت الْقَنَاة إِلَى جبل الرَّحْمَة مَحل الْموقف الشريف، وَجعلت المَاء ينصب إِلَى البرك الَّتِي فِي أَرض عَرَفَات فتملأ مَاء يشرب مِنْهُ الْحَاج يَوْم عَرَفَة، ثمَّ استمرت فِي عمل الْقَنَاة إِلَى أَن خرجت من عَرَفَات إِلَى مُزْدَلِفَة، ثمَّ إِلَى جبل خلف منى فِي قبلتها، ثمَّ ينصب المَاء إِلَى بِئْر عَظِيمَة مطوية بالأحجار كَبِيرَة جدا تسمى بِئْر زبيدة إِلَيْهَا انْتهى عمل زبيدة فَوقف، وَهِي من الْأَبْنِيَة المهولة رُبمَا يُوهم بناؤها أَنه من عمل الْجِنّ، ثمَّ صَارَت عين حنين تَنْقَطِع عَن الْوُصُول إِلَى مَكَّة، وَكَذَلِكَ عين عَرَفَات تَنْقَطِع عَن وصولها إِلَى مُنْتَهَاهَا لتهدم قنواتهما وتخريبهما بالسيول.

وَكَانَت الْخُلَفَاء والسلاطين إِذا بَلغهُمْ ذَلِك أرْسلُوا وعمروها عِنْد انتظام سلطنتهم وَقُوَّة تمكنهم فتجري تَارَة وتنقطع أُخْرَى.
فعمرها مظفر الدّين صَاحب إربل سنة خمس وسِتمِائَة.
ثمَّ الْمُسْتَنْصر العباسي سنة سِتّمائَة وتسع وَعشْرين. ثمَّ فِي سِتّمائَة وَثَلَاث وَثَلَاثِينَ، ثمَّ فِي سنة سِتّمائَة وَأَرْبع وَثَلَاثِينَ، وجد ذَلِك مَكْتُوبًا فِي حجر مَبْنِيّ فِي قرب الْموقف الشريف.
ثمَّ عمر عين حنين الْأَمِير جوبان نَائِب السلطنة بالعراقين سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة، فأجراها إِلَى مَكَّة وَتمّ نَفعهَا فَإِنَّهُم كَانُوا فِي جهد عَظِيم لقلَّة المَاء.
ثمَّ عمرها شرِيف مَكَّة الشريف حسن بن عجلَان جد سَادَاتنَا الْأَشْرَاف أَشْرَاف مَكَّة وملوكها الْآن، أدام الله سعادتهم مدى الزَّمَان فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة فجرت وانفجرت وَكثر الدُّعَاء لَهُ من أهل الْبِلَاد وَالْحجاج والعباد.
ثمَّ انْقَطَعت وَلَقي النَّاس لذَلِك شدَّة عَظِيمَة إِلَى أَن عمرها الْملك الْمُؤَيد أَبُو النَّصْر شيخ المحمودي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة.
ثمَّ عمرها وَعمر عين عَرَفَات السُّلْطَان قايتباي أجْرى الأولى إِلَى أَن دخلت مَكَّة، وأجرى الثَّانِيَة إِلَى أَن وصلت إِلَى أَرض عَرَفَات، وَذَلِكَ بمناشرة الْأَمِير يُوسُف الجمالي وأخيه سنقر الجمالي فِي سنة ثَمَانمِائَة وَسبعين.
ثمَّ عمر عين حنين آخر مُلُوك الشراكسة قانصوه الغوري إِلَى أَن جرت وملأت برك الْحجَّاج بالمعلاة، ثمَّ جرت إِلَى بازان، ثمَّ إِلَى بركَة الماجن بِأَسْفَل مَكَّة، ثمَّ انْقَطَعت فِي أَوَائِل الدولة العثمانية وَصَارَ أهل مَكَّة يستقون من آبار حول مَكَّة يُقَال لَهَا: العسيلات علو مَكَّة وَمن آبار بأسفلها بمَكَان يُقَال لَهُ: الزَّاهِر وسُمي الْآن بالجوخي فِي طَرِيق التَّنْعِيم، وَكَذَلِكَ انْقَطَعت عين عَرَفَات وتهدمت قنواتها وَكَانَ الْحجَّاج يحملون المَاء إِلَى عَرَفَات من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة، وَصَارَ الْفُقَرَاء من الْحجَّاج وَغَيرهم فِي يَوْم عَرَفَة لَا يطْلبُونَ إِلَّا المَاء لغلو المَاء وعزته جدا.

قَالَ الْعَلامَة القطب: وَإِنِّي أذكر سنة تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ، وَأَنا يَوْمئِذٍ مراهق فِي خدمَة وَالِدي أَنِّي اشْتريت قربَة صَغِيرَة جدا يحملهَا الْإِنْسَان بإصبعيه بِدِينَار ذهب، والفقراء يصيحون من الْعَطش يطْلبُونَ مَا يبل حُلُوقهمْ فِي ذَلِك الْيَوْم الشَّديد، فَلَمَّا كَانَ وَقت الْوُقُوف، وَالنَّاس عطاش يلهثون أمْطرت السَّمَاء وسالت السُّيُول من فضل الله وَالنَّاس واقفون، فصاروا يشربون من السَّيْل من تَحت أَرجُلهم ويسقون دوابهم، وَذَلِكَ من رَحْمَة الله ولطفه بعباده.

فبرزت الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة السليمانية بإصلاحهما، وعُين لذَلِك نَاظر اسْمه مصلح الدّين مصطفى من المجاورين بِمَكَّة، فبذل جهده فِي عمارتهما، فجرت عين حنين إِلَى مَكَّة، وَعين نعْمَان إِلَى عَرَفَات وَذَلِكَ سنة 931 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة، ثمَّ اشْترى النَّاظر الْمَذْكُور عبيدا سُودًا من مَال السلطنة وزوجهم بمثلهم وَجعل لَهُم جرايات وعلوفات برسم خدمَة الْعين، وَإِصْلَاح قنواتها، فَهِيَ خدمتهم دَائِما وهم باقون إِلَى الْآن طبقَة بعد طبقَة، ثمَّ توجه النَّاظر إِلَى الْأَبْوَاب لعرض أُمُور فِي شَأْن الْعين، فَأُجِيب إِلَى مَا أَرَادَ وَعَاد إِلَى مصر.

ثمَّ ركب من بندر السويس قَاصِدا مَكَّة فغرق فِي بَحر القلزم شَهِيدا، وَمَا غرق إِلَّا فِي بَحر رَحْمَة الله تَعَالَى سنة 939 تسع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة.

ثمَّ انْقَطَعت سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فعرضت أَحْوَال الْعُيُون لي الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة السليمانية، فَالْتَفت الخاطر السلطاني وَتوجه الْعَطف العثماني إِلَى تدارك ذَلِك بِأَيّ وَجه يكون، وَأمر بالفحص عَن أَحْوَال الْعُيُون، فَاجْتمع قَاضِي مَكَّة يَوْمئِذٍ عبد الْبَاقِي بن عَليّ الْغَزِّي، والأمير خير الدّين سنجق جدة يَوْمئِذٍ، وَغَيرهمَا من الْأَعْيَان، وتفحصوا وداروا، وكشفوا فأجمع رَأْيهمْ أَن أقوى الْعُيُون عين عَرَفَات، وطريقها ظَاهر ودبولها مَبْنِيَّة إِلَى بِئْر زبيدة، وَأَن الَّذِي يغلب على الظَّن أَن دبولها من الْبِئْر إِلَى مَكَّة مَبْنِيَّة أَيْضا وَأَنَّهَا مخفية تَحت الأَرْض وَأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَنْهَا والحفر، فَإِذا وجدوا من الدبل متهدماً بنوه، وَإِذا وجدوا مختلاً أصلحوه، فخمنوا أَنهم يَحْتَاجُونَ فِي ذَلِك إِلَى ثَلَاثِينَ ألف دِينَار ذَهَبا، وذرعوه وقاسوه فَكَانَ من الأوجر إِلَى بطن مَكَّة خَمْسَة وَأَرْبَعين ألف ذِرَاع بِذِرَاع الْعَمَل، وَهُوَ أَزِيد من الذِّرَاع الشَّرْعِيّ بِنَحْوِ الرّبع.

وَهَذَا الَّذِي طنوه من وجود دبل تَحت الأَرْض من بِئْر زبيدة إِلَى مَكَّة لم يُوجد فِي كتب التَّارِيخ وَلم يذكرهُ أحد، وَإِنَّمَا أداهم إِلَى ذَلِك مُجَرّد الظَّن بِحَسب القرا ئن وعرضوا على المسامع الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة فِي أَوَائِل سنة 960 سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة، فَلَمَّا وصل علم ذَلِك التمست جانم سُلْطَان كَرِيمَة السُّلْطَان سُلَيْمَان أَن يَأْذَن لَهَا فِي عمل هَذَا الْخَيْر، حَيْثُ كَانَت صَاحِبَة الْخَيْر أَولا أم جَعْفَر زبيدة العباسية فَنَاسَبَ أَن تكون هِيَ صَاحِبَة هَذَا الْخَيْر أخيراً، فَاخْتَارَتْ بعد ان استطارت لهَذِهِ الْخدمَة إِبْرَاهِيم بن تعزي بردي الدفتردار، وأعطته خمسين ألف دِينَار ذَهَبا زِيَادَة على مَا خمنوه، فَسَار بحراً فوصل إِلَى جدة يَوْم الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من ذِي الْقعدَة من سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَنزل بوطاقه خَارج جدة من الْجِهَة الشامية وَركب من جدة إِلَى سيدنَا ومولانا الشريف مُحَمَّد أبي نمي وَكَانَ نازلاً بوادي (مر) فقابله بالإجلال والتعظيم وَمد لَهُ سماطاً عَظِيما ولاطفه وواكله وباسطه وجابره، فَعرض على حَضرته الشَّرِيفَة الْخط السلطاني، وبذل الهمة وَالِاجْتِهَاد فِي إتْمَام هَذَا الْأَمر، فَأجَاب الشريف أَبُو نمي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، ثمَّ ركب إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور من عِنْده مُتَوَجها إِلَى مَكَّة، فلاقاه عِنْد دُخُوله مَوْلَانَا الشريف حسن بن أبي نمي وقابله بالترحيب وَالْإِكْرَام وَغَايَة الإجلال والاحترام، وَاسْتمرّ مَعَه إِلَى أَن فَارقه من بَاب السَّلَام، فَدخل فَطَافَ طواف الْقدوم وَكَانَ محرما بِالْحَجِّ وسعى. وَعَاد إِلَى مجمع السُّلْطَان قايتباي، وَهُوَ الْمحل الَّذِي عين لنزوله، وَمد لَهُ من قبل الشريف حسن سماط عَظِيم، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مَوْلَانَا القَاضِي الْحُسَيْن الْمَالِكِي ثمَّ كَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ تنظيف الْآبَار الَّتِي يَسْتَسْقِي النَّاس مِنْهَا، وَإِخْرَاج ترابها وَزِيَادَة حفرهَا ليكْثر مَاؤُهَا، وَحصل للنَّاس بذلك رفق عَظِيم، ثمَّ توجه للكشف إِلَى أَعلَى عَرَفَات وَكثر تردده إِلَيْهَا، ثمَّ أسْرع فِي الْكَشْف عَن دبول عين عَرَفَة وَضرب أوطاقه فِي الأوجر من وَادي نعْمَان علو عَرَفَات، وَشرع فِي حفر فقرها، وتنظيف دبولها بهمة عالية جدا.

وَكَانَت مماليكه القائمون فِي خدمته نَحْو أَرْبَعمِائَة مَمْلُوك فِي غَايَة الْجمال والرشاقة والحذاقة واللباقة، وَكتب نَحْو ألف نفس من الْعمَّال والمهندسين والحفارين، وجلب من مصر وبلاد الصَّعِيد وَالشَّام وحلب واسطنبول طوائف بعد طوائف من خدام الْعُيُون والآبار والحدادين والحجارين والبنائين.

وأتى بآلات الْعِمَارَة من مكاتل ومساحي ومجاريف وحديد وبولاد ورصاص ونحاس.

وَعين لكل طَائِفَة قِطْعَة من الأَرْض تحفرها وتنظف مَا فِيهَا، وَاسْتمرّ إِلَى أَن وصل عمله إِلَى بثر زبيدة الَّتِي انْتهى عَملهَا إِلَيْهَا، وَلم يجد بعْدهَا دبلاً، وَلَا أثر عمل وَلَا بقايا قناة، فَضَاقَ ذرعه لذَلِك، وَعلم أَن الْخطب كَبِير وَالْعَمَل كثير وَتحقّق أَن الْقدر الْبَاقِي من هَذَا الْعَمَل إِنَّمَا تركته زبيدة اضطراراً لَا اختبارا وَعدلت إِلَى عمل حنين، وَتركت الْعَمَل من بعد الْبِئْر لصلابة الْحجر وصعوبة إِمْكَان قطعه وَطول مَسَافَة مَا يجب قطعه، وَأَنه يحْتَاج من بِئْر زبيدة إِلَى دبل منقور تَحت الأَرْض فِي الْحجر الصوان طوله ألفا ذِرَاع بِذِرَاع البنائين حَتَّى يتَّصل بدبل عين حنين وَينصب فِيهِ فيصِلاَ إِلَى مَكَّة. وَلَا يُمكن نقر ذَلِك الْحجر تَحت الأَرْض فَإِنَّهُ يحْتَاج فِي النُّزُول إِلَى خمسين ذِرَاع فِي العمق، وَصَارَ لَا يُمكن ترك ذَلِك بعد الشُّرُوع فِيهِ حفظا لناموس السلطنة، فأوجد الْأَمِير إِبْرَاهِيم حِيلَة هِيَ أَن يحْفر وَجه الأَرْض إِلَى أَن يصل إِلَى الْحجر الصوان ثمَّ يُوقد عَلَيْهِ بالنَّار مِقْدَار مائَة حِمل من الْحَطب الجزل لَيْلَة كَامِلَة فِي مِقْدَار سَبْعَة أَذْرع فِي عرض خَمْسَة أَذْرع من وَجه الأَرْض وَالنَّار لَا تعْمل إِلَّا فِي الْعُلُوّ، وَأما السّفل فعملها فِيهِ مِقْدَار قيراطين من أَرْبَعَة وَعشْرين قيراطاً من ذِرَاع.

فيكسر بالحديد إِلَى أَن يصل الْحجر الشَّديد فيوقد عَلَيْهِ الْحَطب الجزل لَيْلَة أُخْرَى إِلَى أَن ينزل فِي ذَلِك الْحجر مِقْدَار خمسين ذِرَاعا فِي العمق فِي عرض خَمْسَة أَذْرع إِلَى أَن يَسْتَوْفِي ألفي ذِرَاع تقطع على هَذَا الحكم، وَذَلِكَ يحْتَاج إِلَى عمر نوح وَمَال قَارون وصبر أَيُّوب، وَمَا رأى عَن ذَلِك محيصاً، فأقدم عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ الْحَطب من جَمِيع جبال مَكَّة وَصَارَ يجلب من الْمسَافَة الْبَعِيدَة، وغلا سعره وضاق النَّاس لذَلِك، وتعب الْأَمِير وَذَهَبت أَمْوَاله وخدامه ومماليكه وَهُوَ يتجلد، إِلَى أَن قطع من الْمسَافَة ألف ذِرَاع وَخَمْسمِائة ذِرَاع، وَصَارَ كلما فرغ المصروف أرسل وَطلب فَجَاءَهُ، ثمَّ مَاتَ لَهُ ولد طِفْل كَانَ خلَّفه بِمصْر احْتَرَقَ عَلَيْهِ كثيرا، ثمَّ مَاتَ لَهُ ولدان مراهقان، ثمَّ مَاتَ أَكثر مماليكه، ثمَّ مَاتَ هُوَ غَرِيبا شَهِيدا لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثَانِي رَجَب سنة 974 أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَكَانَت جنَازَته حافلة، وأسف النَّاس على فَقده لِكَثْرَة إحسانه وَدفن فِيهَا ولديه قبله.

ثمَّ أقيم فِي هَذِه الْخدمَة سنجق جدة الْأَمِير قَاسم بك، أَقَامَهُ سيدنَا شيخ الْإِسْلَام القَاضِي الْحُسَيْن إِلَى أَن يصل مَن تعينه السلطنة الْعلية.

وَفِي هَذَا الْعَام الْمَذْكُور انْتَقَلت السلطنة من السُّلْطَان سُلَيْمَان صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى وَلَده الْآتِي بعده مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان، فعين لهَذِهِ الْخدمَة دفتردار مصر يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بك يكمكجي زَاده وَكَانَ من أعبد السناجق، فوصل إِلَى هَذِه الْخدمَة وبذل فِيهَا نَفسه وَمَاله، وَقطع مَسَافَة وَمَا بلغ التَّمام، بل وافاه الحِمام لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع لَيَال بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَدفن بالمعلاة قبالة تربة الْأَمِير إِبْرَاهِيم الدفتردار على يسَار الذَّاهِب إِلَى الأبطح، ثمَّ رَجَعَ فِي خدمَة الْعين الْأَمِير قَاسم سنجق جدة الْمَذْكُور آنِفا أرجعه فِيهَا القَاضِي الْحُسَيْن وَعرض ذَلِك إِلَى الْأَبْوَاب، فأنهى الْأَمر باستقرار قَاسم بك فِي الْخدمَة أَمينا على مصارفها. وَأَن يكون مَوْلَانَا القَاضِي الْحُسَيْن نَاظرا على مَا بَقِي من عمل هَذِه الْعين إِلَى أَن يصل إِلَى عَرَفَات، فاستمر قَاسم بك مباشراً لهَذِهِ الْخدمَة، إِلَى أَن طرقه الْحِين فَصَارَ ثَالِثا للأميرين السَّابِقين، وَصَارَ من شُهَدَاء الْعين، وَذَلِكَ لليلة خلت من رَجَب الْحَرَام سنة 979 تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَدفن بالمعلاة إِلَى جَانب الْأَمِير مُحَمَّد بك اليكمكجي المتوفي بِمَكَّة.

ثمَّ توجه مَوْلَانَا القَاضِي الْحُسَيْن توجهاً تَاما إِلَى تَكْمِيل عمل مَا بَقِي من الْعين بِاعْتِبَار مَا بِيَدِهِ من النّظر، وَعرض للسلطنة الشَّرِيفَة بوفاة قَاسم بك فبرزت الْأَوَامِر إِلَى حَضرته الشَّرِيفَة فأقدم بهمته الْعَالِيَة أتم إقدام، فساعدته السَّعَادَة والإقبال على الْإِتْمَام، فكمل عَملهَا فِيهَا دون خَمْسَة أشهر، بعد أَن عجزوا عَنهُ فِي قريب من عشرَة أَعْوَام، فجرت عين عَرَفَات وَوصل المَاء، وَهُوَ يجْرِي فِي تِلْكَ الدبول والقنوات إِلَى أَن دخل مَكَّة لعشر بَقينَ من ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة 979 تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم عيد أكبر عِنْد النَّاس، وَعمل فِي ذَلِك الْيَوْم أسمطة بِالْأَبْطح ببستانه الْوَاسِع الأفيح، جمع الأكابر والأعيان، وَنصب لَهُم السرادقات والصوان، وَذبح أَكثر من مائَة من الْغنم، وَقدم للنَّاس على قدر طبقاتهم أَنْوَاع الموائد وَالنعَم، وخلع على أَكثر من عشرَة أنفس من المعلمين والمهندسين خلعاً فاخرة، وَأحسن إِلَى باقيهم بِالْحَسَنَاتِ الوافرة.

وَمِمَّا رَأَيْته بِخَط جدي الْعَلامَة جمال الدّين بن إِسْمَاعِيل العصامي مَا نصُّه: لما أكمل مَوْلَانَا وعزيزنا شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين نَاظر النظار بِبَلَد الله الْأمين مَوْلَانَا السَّيِّد الشريف القَاضِي الْحُسَيْن بن أَحْمد الْمَالِكِي عمَارَة عين عَرَفَات كتبت إِلَيْهِ قولى: [من مخلع الْبَسِيط]
أَقضَى القُضَاةِ الحسينُ أَعْنَى ... مكانَ أُمِّ القُرَي بِعَيْنه
وجاءَ بالعَيْنِ بَعْدَ يَأْسٍ ... فَشكْرُهُ وَاجِبٌ لِعَيْنِهُ
فَفتح لقبولهما كل بَاب، وأعجب بِهِ غَايَة الْإِعْجَاب.

قلت: يُمكن أَن يقْصد فِيهِ التورية فيراد بقوله (لعَينه) الذَّهَب، ويرشحه قَوْله: (أغْنى) إِلَى آخِره.

وَأَن يُرَاد بهَا المَاء الْجَارِي ويرشحه (جَاءَ بِالْعينِ بعد يأس).

وَعِنْدِي: سلبهما من لِبَاس التورية أستر، وأذكى لشذى الْمَدْح وأعطر، بِأَن يكون المُرَاد بِالْعينِ ذَاته وشخصه، ليَكُون وجوب الشُّكْر لذاته فِي كَمَاله، لَا لعَارض يَزُول بزواله.

ثمَّ جهز أَخْبَار هَذِه البشائر إِلَى السُّلْطَان سليم ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان، وَإِلَى سرادقات الْحجاب الرفيع مليكَة الملكات بلقيس الزَّمَان جانم السُّلْطَان أُخْت مَوْلَانَا السُّلْطَان سُلَيْمَان، فأنعمت بالإنعامات الجزيلة، والترقيات الْكَثِيرَة الجميلة على سَائِر العمالين والمباشرين والمتعاطين لهَذِهِ الْخدمَة، ورقت مدرسة مَوْلَانَا القَاضِي حُسَيْن - وَهِي الأولى مِمَّا يَلِي بَاب الزبادة - فَصَارَت بِمِائَة عثماني.

واستمرت هَذِه الْعين من جملَة الْآثَار الْبَاقِيَة على صفحات اللَّيَالِي وَالْأَيَّام، والأعمال الصَّالِحَات الْبَاقِيَات على تكْرَار السنين والأعوام.

وَمَا عِنْده سُبْحَانَهُ من تَضْعِيف الْأجر وَالثَّوَاب خير، وَأبقى عِنْد أولي الْأَلْبَاب.

وَكَانَ جملَة النَّفَقَة خَمْسَة لكوك وَسَبْعَة آلَاف دِينَار ذَهَبا أَحْمَر جَدِيدا، وَذَلِكَ غير مَا صرف على إِحْضَار أَرْبَاب الصناعات من الحدادين والحجارين والقطاعين والنجارين، وَأهل الصناعات الدقيقة من الْبِلَاد الْبَعِيدَة، وَغير مَا صرف على خدامها وخدامهم.

وَقد كَانَت عمارتها فِي آخر الدولة السُّلْطَانِيَّة السليمانية وَفِي أول الدول السُّلْطَانِيَّة السليمية.

__________________________

المصدر:

https://bin-swauid.blogspot.com/2018/04/1111.html

السبت، 30 نوفمبر 2019

القرن الأول الفاضل


يقول 
الإمام الذهبي (المتوفى: 748هـ):

وقد كان في هذا القرن الفاضل خلق عظيم من أهل العلم وأئمة الاجتهاد وأبطال الجهاد في أقطار البلاد وسادة عباد ابدال أو أوتاد ولعل في من تركناهم من هو أجل وأعلم وكان الإسلام ظاهرا عاليا قد طبق الأرض وافتتحت بلاد الترك وإقليم الأندلس بعد التسعين في دولة الوليد وجميع الأمة من تحت أوامره بل بعض نوابه وهو الحجاج الظالم في رتبة أعظم سلطان يكون وعمر إذا ذاك مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكمل زخرفة غرم عليه أموال عظيمة وأنشيء جامع دمشق وغرم عليه ازيد من ستة آلاف ألف دينار وذلك بجاه العمل وكان خراج الدنيا لا يكاد ينحصر كثرة فقد كان عمر رتب الجزية على القبط في العام اثنى عشر ألف ألف دينار فما ظنك بجزية الروم وما ظنك بجزية الفرس.

ولقد كان الخليفة من بني أمية لو شاء أن يبعث بعوثه إلى أقصى الصين لفعل لكثرة الجيوش والأموال فهذا سليمان لما ولي قد اغزى جيوشه في البر والبحر إلى مدينة القسطنطينية وحاصروها نحوا من عشرين شهرا ووقع للمسلمين غلاء وجوع لبعد الديار ولكن بلغنا أنه كان في منزله العسكر عرمة حنطة كالجبل العالي ذخيرة للجند وغيظا للروم فلما استخلف عمر بن عبد العزيز اذن للجيش في الترحل عنها وصالح أهلها وخضعوا له رضي الله عنه.

_____________________________

تذكرة الحفاظ 1 / 56 - دار الكتب العلمية -الطبعة: الأولى، 1419هـ- 1998م>

(فِي فَوَائِد التَّارِيخ)




مِنْهَا وَاقعَة رَئِيس الرؤساء مَعَ الْيَهُودِيّ الَّذِي أظهر كتابا فِيهِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِإِسْقَاط الْجِزْيَة عَن أهل خَيْبَر وَفِيه شَهَادَة الصَّحَابَة مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فَحمل الْكتاب إِلَى رَئِيس الرؤساء وَوَقع النَّاس بِهِ فِي حيرة فعرضه على الْحَافِظ أبي بكر خطيب بَغْدَاد فَتَأَمّله.

وَقَالَ: إِن هَذَا مزوّر فَقيل لَهُ من أَيْن لَك ذَلِك فَقَالَ فِيهِ شَهَادَة مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ اسْلَمْ عَام الْفَتْح وفتوح خَيْبَر سنة سبع وَفِيه شَهَادَة سعد بن معَاذ وَمَات سعد رَضِي الله عَنهُ يَوْم بني قُرَيْظَة قبل خَيْبَر بِسنتَيْنِ.
فَفرج ذَلِك عَن الْمُسلمين غما.

الصفدي (المتوفى: 764هـ): الوافي بالوفيات 1 / 55

أنواع الجمال والزينة لدى النساء في مختلف الشعوب




من عادة النساء في اليابان أن يطلين أسنانهن بطبقة من الذهب.
بينما تراهن في جزر الهند الشرقية يصبغن بالحمرة. 
وفي بلاد (جوزورات) لا تعد الثغور جميلة إلا بإطفاء لألأتها بشبه المداد. 
وإخفاء لآلئها في مثل ثوب الحداد. 
وفي جرينلندة يصبغ النساء وجوههن بزرقة وصفرة. 
والمرأة المسكوفية مهما بلغ من زهاء لونها وبهاء رونقها لا تعد نفسها لا تعد نفسها جميلة إلا إذا كاثفت على وجهها طبقات الدهان. 
والصينيات لا تسترح قلوبهن حتى تصير أقدامهن من فرط الصغر والدقة في حجم ظلف العنزة. 
ولكي يتم لهن هذا تراهن يقضين عصر الطفولة والحداثة في أنكى تباريح العذاب والألم. 
وقد ما كان أهل فارس يرون الأنف الأفتى من أمارات الإمارة والرياسة والوسائل الحرية أن يطلب بها الملك والإمامة فكان إذا تنازع التاج أميران من بيت المملكة حكم لصاحب الأنف الأفتى على قرنه ونظيره.

والأمهات في بعض البلدان يشدخن آناف أطفالهن تحسينا للخلقة. 
وفي بلاد أخرى يكبسن رؤوسهم بين لوحين من الخشب لتصير مربعة بدل الاستدارة والفرس العصريون يمقتون الشعر الأحمر أشد المقت وعلى ضد من ذلك الأتراك فأنهم مولعون بحمرة الشعر إلى الغاية القصوى ومن عادة (الهوتنتوت) (صنف من الزنوج) إن العاشق إذا أراد أن يتحف معشوقته بالحلة القشيبة لم يهدها خزاً ولا ديباجا ولا عطرا ولا زهرا ولكن كرشا وأمعاء من المسمط حارة يتصاعد بخارها لتختال المليحة السوداء منها في أعجب حلة وأطرب حلية.

وفي الصين تشتهى العيون الصغيرة المدورة. ولا تزال الصبيات هنالك ينتفن الحواجب لكي تدق وتستطيل. 
ونساء الأتراك يغمسن فرشة ذهبية في صيبغة مستحضرة من مادة سوداء فيمررنها على حواجبهن فتكون أثناء النهار واضحة جلية ولكنها تصير بالليل مشرقة وضاءة وهن أيضاً يخضبن الأظافر بصبغة وردية. 
ومن شرائط الجمال في الزنجية أن تكون صغيرة العينين غليظة الشفتين فطساء الأنف حالكة السواد. 
ولما عرضت على الإمبراطور مونوموتابا (أحد ملوك الزنج) غادة أوربية من نساء العالمين واقترح عليه أن يتخذها بدلا من محظيته السوداء رفض وأبى.

ونحن لا نرى ضرورة تزيين الأنف بحلية ولكن نساء (بيرو) يرين غير ذلك فهن يعلقن في أرنبة الأنف حلقة صغيرة ثقيلة تكون ثخانتها على قدر لقب الزوج وحسب رتبته ومقامه. 
وعادة خرم الأنف شائعة في كثير من الشعوب والقبائل. 
أما ما يعلق في ثقب الأنف من الحلي فضروب شتى، كالبلور الأخضر والذهب وكرائم الحجارة. وربما علق فيه عدد كثير من الحلقات الذهبية. ولعل هذا يقوم عقبة في سبيل التنخم والتمخط والواقع أن نساء الهنود الحمر (بأمريكا) لا يعملون البتة هذه العملية النافعة المفيدة، أما قناع الرأس النسائي فهذا قد يبالغ فيه لدى بعض الشعوب إلى درجة خارقة. 
فالحسناء الصينية تحمل على رأسها تمثال طائر مصوغ من النحاس أوالذهب حسب مقام صاحبته. وأجنحة هذا الطائر المنشورة تنسدل فوق مقدم القناع وتستر الصدغين. أما ذيل الطائر فسابغ ضاف منتشر الخصل منتفش الريش. وأما منقار الطائر فذلك يغطي قصبة الأنف من الحسناء.
هذا وجيد الطائر منوط إلى جسده بلولب لكي يكون أسرع اهتزازا وأكثر خفقانا واضطرابا لدى أدنى حركة.

مجلة البيان للبرقوقي
العدد 60 - بتاريخ: 15 - 8 - 1921