بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 24 أبريل 2019

قيل لحاتم الطائي: هل رأيت أكرم منك؟ فقال: نعم!


قيل لحاتم: هل رأيت أكرم منك؟
فقال: نعم؛ ليس لأحد أن يدلّ بنفسه، ولا يفتخر على أبناء جنسه، ولمن نزل الأرض ولادة، والخلق بينهم تفاوت وزيادة.
فقيل له: فكيف كان ذاك؟
فقال: خرجت في بعض الكرّات أطلب المكتسب، فانتهى بي السير إلى مرج وغدير، ورأيت عليه رجل جالس وحصانه في يده ورمحه مركوز إلى جانبه وقدّامه زاد، وهو يأكل.
فلمّا رآني بادأني السلام وعزم: لتنزلنّ! فنزلت عن جوادي.
فأجد قدامه من الزاد ما يكفي جماعة من الناس، فأكلنا.
ولمّا اكتفينا نفض جميع ذلك الزاد على الرمل وركب وركبت.
وسألني بعد ذلك عن توجّهي، فعرّفته.
فقال: وأنا كذلك.
فقلت: يا وجه قومه، لم نفضت المزود ونحن في هذه المفاوز، ونحن محتاجون إليه؟
فتبسّم وقال: لا تفكّر في رزق غد، فكلّ غد له رزق جديد، ما دام لك عمر مديد. ثمّ أنشأ يقول (287 من الطويل):
رحلنا وخلّينا على الرّمل زادنا … وللطّير في زاد الكرام نصيب
ورزق غدا يأتي غدا يسوقه … إلى العبد جبّار عليه رقيب
فيا نفس لا تبقي على قوت ليلة … فإنّ مرار الموت منك قريب
قال حاتم: ثمّ سرنا، فلمّا كان الغد فتح بيده مزودي وفرشه وأكلنا على جانب غدير.
ثمّ إنّه نفض المزود على ذلك الغدير وعوّلنا على المسير، وإذا بكلب قد أقبل من صدر البيداء يطلب الغدير.
فلمّا وصل ورأى الزاد فتقدّم وأكل حتّى اكتفى، وشرب من الغدير وترك باقي الزاد.
فقال لي رفيقي: ألا تنظر يا فتى إلا هذا الحيوان كيف أكل كفايته -ما لا كان له في حساب- وترك باقي الزاد ولا عن عليه ولا حمله؟! أيكون الكلب أقوى يقين منا؟
فقلت، وقد هالني أمره: لم تفعل إلاّ خيرا.
ثمّ قطعنا البرّ حتّى تعالا النهار، واتّسع في وجهنا القفار، وبدا بنا الجوع، وعمل فينا الخوى.
فقلت في نفسي: ترى من أين يكون غذانا؟
وأنا، فقد هنيته أن أكلّمه في ذلك، فو الله لم أتمّ ما في نفسي حتّى انطلق الكلب في عرض البرّ حتّى ظننت أنّه قارب قومه، وإذا به قد ثوّر عانة من الوحش، وصار يردّها إلينا، حتّى تخيّل لنا أنّه يقول: دونكم وهذه العانة.
فبادرنا إليها وأخذنا منها كفايتنا، ونزلنا وذبحنا وشوينا وأكلنا، نحن والكلب.
ولمّا كان من الغد أشرفنا على أحياء عرب، فرينا حلّة كبيرة، فسقنا منها ما قدرنا من النّياق والجمال، ولدغناها برؤوس الرماح، فمدّت خطاها قدّامنا، وبعدنا عن الأحياء، ونظرنا إلى خلفنا، وإذا بفرسان الحلّة يتسابقون إلينا، وطلع الغبار ورانا مثل قطع الليل، فعدنا نلتقي القوم.
فلمّا رآني رفيقي قد عزمت على لقاء القوم معه تبسّم في وجهي، وقال:
يا فتى، بحقّ الّلات والعزّى، قف في هذا المكان واحفظ الغنيمة أن تشرد، ودعني فإنّي إذا علمت أنّ مثلك خلفي قوي عزمي، وإذا رأيتني قد قهرت فاستعدني.
قال: فوقفت مع الغنيمة أنظر فعاله ساعة، وإذا بالخيل الذي أقبلت إلينا قد ولّت، وهو في ظهورها يزعق زعقات الأبطال الذين لا تزيغهم كثرة الرجال، وقد سطح على الأرض منهم عدّة كثيرة ما بين قتيلا وجريحا، وعاد إليّ كأنّه الأسد الكاسر، وهو ينشد ويقول (من الرمل):
يا سنان الرّمح لا تشكوا الصّما … فأنا اليوم أرويك دما
وأخلّي الوحش خلفي رتعا … في رجال فارقوا أرض الحما
صاحبي شرائنا في دعة … فحسامي في يدي ما يثلما
وحياتي، لو بدا الموت له … ورأى صورته ما انهزما
فقال حاتم: ثمّ سقنا الغنيمة إلى المكان الذي ترافقنا فيه، والكلب لا يفارقنا.
فعندها قسّم النّياق والغنيمة أثلاث، وأنا أنظر إلى ما يفعل.
وقال: يا فتى، أيّهم اخترت فهو سهمك، فخذه واطلب أهلك. فقلت:
والله يا مولاي إذا عدنا إلى الإنصاف فما أستحقّ من هذه الغنيمة حبة واحدة؛ وقد رأيتك قسّمتها ثلاث، فمن هو ثالثنا؟
فقال، وقد تبسّم: هذا الكلب.
فقلت: وما يفعل الكلب بنوق وجمال؟
فقال: يفعل بها ما يريد، لأنّه صار رفيقنا وساعدنا في ردّ العانة من الوحش علينا، وأكل من زادنا، على أنّني ما أدعه ضايع وإنّما خذ قسمك واذهب إلى أهلك، وأنا كذلك، فمن تبعه الكلب يتسلّم قسمه، يفعل فيه معه بمروته.
فلمّا سمعت ذلك تعجّبت كلّ العجب، وداخلني والله من فعله الطرب.
فلمّا توجّه كلّ أحد بقسمه تبعني الكلب.
فقال: يا فتى، خذ قسم الكلب إليك.
فأضفته إلى قسمي.
ولمّا بعدنا عاد إليّ يركض، فقلت: والله لقد ندم على ما فعل وعاد يأخذ غنيمته.
فتنحّيت عنها وقلت: ها أنت وغنيمتك، باركت لها الأصنام.
فقال: دع يا فتى هذا الخاطر عنك، ولا تنسبني إلى البخل وقلّة الإنصاف، فو الله ما عدت إليك إلاّ حتّى أسألك عن اسمك ونسبك، فقد عاد بيننا صحبة وحرمة وذمام، ولا علمت اسمك، وكذا أنت من كرمك ما سألتني عن ذلك.
فأمّا أنا فاسمي عطّاف ابن قابض الطريّ، فأنت؟
فقلت: أنا حاتم بن سعد الطائيّ. فما هو إلاّ أن سمع باسمي حتّى ترجّل عن جواده وقال: اعذرني يا سيّد طيء من التقصير، لأنّ لي سنين أسمع بك وبما شيّدته من الكرم، وكنت أودّ على لقاك وأجتهد أن أتّبع مساعيك. ثمّ عاد إلى سهمه فأخلطه بسهمي، وقال:
يا حاتم، لا تردّه عليّ؛ فوحقّ اللاّت والعزّى أنجز نفسي بحسامي، وإن رأيت أن تعود معي إلى أهلي حتّى أزيدك من مالي ألف ناقة تستعين بها على معروفك.
قال: فشكرته وأتيت إلى أهلي بكّل تلك الغنيمة.

ابن أيبك الدواداري (المتوفى: بعد 736 هـ): كنز الدرر وجامع الغرر 2 / 431 إلى 435 - الناشر: عيسى البابي الحلبي - تحقيق: إدوارد بدين، 1414 هـ - 1994 م.؛ ليس لأحد أن يدلّ بنفسه، ولا يفتخر على أبناء جنسه، ولمن نزل الأرض ولادة، والخلق بينهم تفاوت وزيادة.
فقيل له: فكيف كان ذاك؟
فقال: خرجت في بعض الكرّات أطلب المكتسب، فانتهى بي السير إلى مرج وغدير، ورأيت عليه رجل جالس وحصانه في يده ورمحه مركوز إلى جانبه وقدّامه زاد، وهو يأكل.
فلمّا رآني بادأني السلام وعزم: لتنزلنّ! فنزلت عن جوادي.
فأجد قدامه من الزاد ما يكفي جماعة من الناس، فأكلنا.
ولمّا اكتفينا نفض جميع ذلك الزاد على الرمل وركب وركبت.
وسألني بعد ذلك عن توجّهي، فعرّفته.
فقال: وأنا كذلك.
فقلت: يا وجه قومه، لم نفضت المزود ونحن في هذه المفاوز، ونحن محتاجون إليه؟
فتبسّم وقال: لا تفكّر في رزق غد، فكلّ غد له رزق جديد، ما دام لك عمر مديد. ثمّ أنشأ يقول (287 من الطويل):
رحلنا وخلّينا على الرّمل زادنا … وللطّير في زاد الكرام نصيب
ورزق غدا يأتي غدا يسوقه … إلى العبد جبّار عليه رقيب
فيا نفس لا تبقي على قوت ليلة … فإنّ مرار الموت منك قريب

قال حاتم: ثمّ سرنا، فلمّا كان الغد فتح بيده مزودي وفرشه وأكلنا على جانب غدير.
ثمّ إنّه نفض المزود على ذلك الغدير وعوّلنا على المسير، وإذا بكلب قد أقبل من صدر البيداء يطلب الغدير.
فلمّا وصل ورأى الزاد فتقدّم وأكل حتّى اكتفى، وشرب من الغدير وترك باقي الزاد.
فقال لي رفيقي: ألا تنظر يا فتى إلا هذا الحيوان كيف أكل كفايته -ما لا كان له في حساب- وترك باقي الزاد ولا عن عليه ولا حمله؟! أيكون الكلب أقوى يقين منا؟
فقلت، وقد هالني أمره: لم تفعل إلاّ خيرا.
ثمّ قطعنا البرّ حتّى تعالا النهار، واتّسع في وجهنا القفار، وبدا بنا الجوع، وعمل فينا الخوى.
فقلت في نفسي: ترى من أين يكون غذانا؟
وأنا، فقد هنيته أن أكلّمه في ذلك، فو الله لم أتمّ ما في نفسي حتّى انطلق الكلب في عرض البرّ حتّى ظننت أنّه قارب قومه، وإذا به قد ثوّر عانة من الوحش، وصار يردّها إلينا، حتّى تخيّل لنا أنّه يقول: دونكم وهذه العانة.
فبادرنا إليها وأخذنا منها كفايتنا، ونزلنا وذبحنا وشوينا وأكلنا، نحن والكلب.

ولمّا كان من الغد أشرفنا على أحياء عرب، فرينا حلّة كبيرة، فسقنا منها ما قدرنا من النّياق والجمال، ولدغناها برؤوس الرماح، فمدّت خطاها قدّامنا، وبعدنا عن الأحياء، ونظرنا إلى خلفنا، وإذا بفرسان الحلّة يتسابقون إلينا، وطلع الغبار ورانا مثل قطع الليل، فعدنا نلتقي القوم.
فلمّا رآني رفيقي قد عزمت على لقاء القوم معه تبسّم في وجهي، وقال:
يا فتى، بحقّ الّلات والعزّى، قف في هذا المكان واحفظ الغنيمة أن تشرد، ودعني فإنّي إذا علمت أنّ مثلك خلفي قوي عزمي، وإذا رأيتني قد قهرت فاستعدني.
قال: فوقفت مع الغنيمة أنظر فعاله ساعة، وإذا بالخيل الذي أقبلت إلينا قد ولّت، وهو في ظهورها يزعق زعقات الأبطال الذين لا تزيغهم كثرة الرجال، وقد سطح على الأرض منهم عدّة كثيرة ما بين قتيلا وجريحا، وعاد إليّ كأنّه الأسد الكاسر، وهو ينشد ويقول (من الرمل):
يا سنان الرّمح لا تشكوا الصّما … فأنا اليوم أرويك دما
وأخلّي الوحش خلفي رتعا … في رجال فارقوا أرض الحما
صاحبي شرائنا في دعة … فحسامي في يدي ما يثلما
وحياتي، لو بدا الموت له … ورأى صورته ما انهزما
فقال حاتم: ثمّ سقنا الغنيمة إلى المكان الذي ترافقنا فيه، والكلب لا يفارقنا.
فعندها قسّم النّياق والغنيمة أثلاث، وأنا أنظر إلى ما يفعل.
وقال: يا فتى، أيّهم اخترت فهو سهمك، فخذه واطلب أهلك. فقلت:
والله يا مولاي إذا عدنا إلى الإنصاف فما أستحقّ من هذه الغنيمة حبة واحدة؛ وقد رأيتك قسّمتها ثلاث، فمن هو ثالثنا؟
فقال، وقد تبسّم: هذا الكلب.
فقلت: وما يفعل الكلب بنوق وجمال؟
فقال: يفعل بها ما يريد، لأنّه صار رفيقنا وساعدنا في ردّ العانة من الوحش علينا، وأكل من زادنا، على أنّني ما أدعه ضايع وإنّما خذ قسمك واذهب إلى أهلك، وأنا كذلك، فمن تبعه الكلب يتسلّم قسمه، يفعل فيه معه بمروته.
فلمّا سمعت ذلك تعجّبت كلّ العجب، وداخلني والله من فعله الطرب.

فلمّا توجّه كلّ أحد بقسمه تبعني الكلب.
فقال: يا فتى، خذ قسم الكلب إليك.
فأضفته إلى قسمي.
ولمّا بعدنا عاد إليّ يركض، فقلت: والله لقد ندم على ما فعل وعاد يأخذ غنيمته.
فتنحّيت عنها وقلت: ها أنت وغنيمتك، باركت لها الأصنام.
فقال: دع يا فتى هذا الخاطر عنك، ولا تنسبني إلى البخل وقلّة الإنصاف، فو الله ما عدت إليك إلاّ حتّى أسألك عن اسمك ونسبك، فقد عاد بيننا صحبة وحرمة وذمام، ولا علمت اسمك، وكذا أنت من كرمك ما سألتني عن ذلك.
فأمّا أنا فاسمي عطّاف ابن قابض الطريّ، فأنت؟
فقلت: أنا حاتم بن سعد الطائيّ. فما هو إلاّ أن سمع باسمي حتّى ترجّل عن جواده وقال: اعذرني يا سيّد طيء من التقصير، لأنّ لي سنين أسمع بك وبما شيّدته من الكرم، وكنت أودّ على لقاك وأجتهد أن أتّبع مساعيك. ثمّ عاد إلى سهمه فأخلطه بسهمي، وقال:
يا حاتم، لا تردّه عليّ؛ فوحقّ اللاّت والعزّى أنجز نفسي بحسامي، وإن رأيت أن تعود معي إلى أهلي حتّى أزيدك من مالي ألف ناقة تستعين بها على معروفك.
قال: فشكرته وأتيت إلى أهلي بكّل تلك الغنيمة.

ابن أيبك الدواداري (المتوفى: بعد 736 هـ): كنز الدرر وجامع الغرر 2 / 431 إلى 435 - الناشر: عيسى البابي الحلبي - تحقيق: إدوارد بدين، 1414 هـ - 1994 م.

الأحد، 3 مارس 2019

تاريخ التراث العربي للدكتور فؤاد سزكين



نص المحاضرة التي ألقاها د. فؤاد سزكين بقاعة المحاضرات بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية بتاريخ 15 / 4 / 1980م
"تاريخ التراث العربي" أهدافي ومنهجي في إعداده.
بعد أن انتصر تيار معاداة اللاتين للعرب في البيئات الدينية والثقافية في أوروبا - وهو ما أشير إليه في محاضرتي التالية - بدأت في النصف الأول من القرت السابع عشر الميلادي ظاهرة الاستشراق. 

وإن أول أسم معروف لنا في هذا المضمار هو العالم الهولندي ياكوب كوليوس Jacobus Golius وقد جمع في مدينة ليدن مجموعة من المخطوطات العربية لا بأس بها ونشر بعضها بين سنوات 1623 – 1656م, وذلك مثل لامية العجم للطغرائي والمقامة الأولى للحريري وقصيدة لأبي العلاء المعري. 
ثم تبعه عدد من المستشرقين الذين ترجموا بعض الآثار الشعرية كالمعلقات السبع, وحماسة أبي تمام, وقصيدة تابط شراً. 

ولما زادت درجة الاهتمام بالعمل الاستشراقي رأي بعض العلماء في أواسط القرن التاسع عشر ضرورة أن يؤلفوا بعض المراجع في العلوم العربية. 
وقـــد ألـف وستنـفلد F. Wustenfeld الألماني (تاريخ الأطباء العرب) سنة 1840م. 
وصدر بعد سنتين من نشر الكتاب السابق كتاب العالم اللاتيني ونريخ G.Wenrich وهو يتناول الترجمات العربية عن الإغريقية. 

ويعد من غرائب القرن التاسع عشر ظهور كتاب ضخم في سبعة أجزاء بعنوان تاريخ الأدب العربي لمؤلفه هامَّر بورجشتال J.Hammer - Purgstall وقد نشر في فينا بين سنوات 1850 – 1856م. 
وقد اتهمه ناقدوه بعدم معرفته اللغة العربية, وأخذوا عليه أغلاطاً فظيعة, ومع ذلك فإن هذا العالم النمساوي يستحق تقديرنا لأنه استطاع أن يجمع أسماء الآف من العلماء المسلمين مع نبذة عن حياتهم. 
وكان أحياناً يترجم كتبهم في شتى العلوم الأدبية والعقلية والطبيعية. 

ومن أهم ما نشر في أواخر القرن التاسع عشر فهرس مكتبة برلين الذي ألفه آلوارد W.Ahlwardt في عشرة مجلدات كبيرة بين سنوات 1887 – 1899م. 
وينبغي أن يعد هذا الكتاب العظيم - وهو فهرسة للمخطوطات العربية في مكتبة برلين - أول عمل علمي واسع المدى حاول مؤلفه أن يصنف مواده تصنيفاً تاريخياً دقيقاً. 

واستطاع كارل بروكمان C.Brockelmann معتمداً على فهرس آلوارد أن يؤلف كتابه "تاريخ الأدب العربي" في مجلدين بين سنوات 1898 – 1902م. 

وكانت هناك محاولات أخرى هامة تمت في أواخر القرن التاسع عشر أو في منقلب هذا القرن إلى القرن العشرين. وذلك مثل الكتب الثلاثة التي أصدرها شتاينشايدر M.Steinschneider عن الترجمات العربية من الإغريقية, والترجمات العبرية عن العربية, وترجمات الكتب العربية إلى اللغات الأوروبية ... إلى غاية القرن السابع عشر الميلادي, ومثل كتاب العالم السويسري زوتر H.Suteعن الرياضيين والفلكيين العرب وكتبهم. وقد استطاع أن يضمن كتابه أسماء - 500 - خمسمائة عالم رياضي وفلكي عربي وكتبهم, مع الإشارة إلى المخطوطات المعروفة لديه في مكتبات أوروبا ودار الكتب المصرية في القاهرة, معتمداً في ذلك على الفهارس المنشورة. 

ولقد اتسعت حدود الدراسات الاستشراقية في القرن العشرين سنة بعد سنة, حتى اضطر بروكلمان إلى أن يعد ملحقاً في ثلاثة مجلدات, صدرت بين سنوات 1937 – 1942م. 

وكان الاعتقاد السائد أن تاريخ العلوم العربية والإسلامية لا يمكن أن يكتب إلا بعد أن يعد ثبت بأعمال المسلمين والعرب في مختلف العلوم, وإن هذا العمل أيضاً ينبغي أن تسبقه دراسات لمسائل جزئية تستغرق قرناً كاملاً على الأقل. 
ولما كان هذا الاعتقاد مسيطراً على ذهن بروكمان فإنه اكتفى في كتابه بسرد تراجم العلماء مع تعداد مؤلفاتهم التي ما تزال مخطوطاتها في المكتبات المختلفة. وما يزال هذا الاعتقاد المشار إليه سائداً حتى يومنا هذا. 

وكانت هناك فكرة يشترك فيها معظم المستشرقين, وهي أن عمل بروكمان يجب أن توسع دائرة مواده حتى يشتمل على مخطوطات التراث العربي في العالم بأسره. 
وهذا ما يسعى إليه عدد من المشرفين الأوروبيين والأمريكان, وفي مؤتمر المستشرقين العالمي الذي عقد في استانبول سنة 1951م. تولت إحدى اللجان دراسة هذا المشروع. 

لقد كنت أدرس في جامعة إستانبول سنة 1942 إلى سنة 1947م على المستشرق الشهير ريتر H.Ritterالذي أدين له بفضل كبير في دراستي للعلوم الإسلامية. 
وطالما سمعت منه أن كتاب بروكلمان لا يشتمل على الكثير من نوادر المخطوطات في مكتبات إستانبول, وهذا ما دفعني إلى التفكير في تذييل كتاب بروكلمان ... ومضيت في جمع المواد إلى سنة 1958م. 
حيث بدا لي أن تذييل كتاب بروكلمان يجب أن توسع حدوده بناء على ثبت المخطوطات العربية في المكتبات المعروفة في العالم. 

وابتدأت سعياً وراء تحقيق هذا الأمل بالقيام برحلات متعددة ثم شرعت في التأليف سنة 1961 حيث تبين لي بعد سنتين أن تذييل كتاب بروكلمان ليس له فائدة كبيرة, وإنما يجب أن يجدد عمل بروكلمان بالاعتماد على المواد التي لم تكن معروفة لديه. 

وفي سنة 1965م. كانت مسودة مجلدين قد اكتملت, وكان المجلد الأول يتضمن علوم القرآن والحديث والتاريخ والفقه والعقائد والتوحيد والتصوف. 
ويتضمن المجلد الثاني الشعر والنثر واللغة والنحو والبلاغة والعروض. 

وفي أثناء طبع المجلد الأول هداني التفكير إلى أن الكتاب يجب أن يكون مستقلاً عن كتاب بروكلمان, ويجب على أن يهتم بتاريخ الفكر وبمسألة تطور العلوم العربية الإسلامية بقدر ما تتيح لي ذلك دراسات المتخصصين ودراساتي الشخصية ... وقد حدا بي هذا الموقف إلى تجنب طبع المجلد الثاني. 

وأرى أن أتوقف هنا عن سرد مراحل تأليفي لكتاب "تاريخ التراث العربي" لأحدثكم عما تم حول تنفيذ مشروع المستشرقين الذي أشرت إليه منذ قليل. 
فقد نجحت اللجنة التنفيذية في أن تحصل في سنة 1961م على المساعدة المالية اللازمة من هيئة اليونسكو Unesco وعلم بعض المسؤولين بالمراحل التي قطعتها في الكتاب فطلبوا من اللجنة التنفيدية أن تعترف بالعمل الذي أنجزته, وأن تمنحني المساعدة التي قدرتها اليونسكو لأستعين بها في إتمام عملي. 
وقد ألفوا لجنة من عدد من الأوروبيين والأمريكان لتنفيذ مشروع الكتاب الذي كانوا يهدفون إليه, وذكروا في قرارهم أن المواد التي جمعتها ربما كانت مفيدة لهم في المضي في مشروعهم. 
واجتمعت اللجنة المشار إليها سنة 1964م. في مدينة بروكسل Bruxelles لاتخاذ القرار النهائي, وكتبت إلي تسألني عن رغبتي في المضي في العمل أو مساعدتهم بتقديم المواد العلمية. 
وقد أجبت اللجنة أنني أنهيت تأليف المجلدين الأولين من كتابي, وأن هذا الكتاب ينبغي أن يؤلف في مرحلته هذه من قبل شخص واحد حتى يسوده فكر موحد منسجم دون تناقضات. 
وبناء على هذا ألغيت اللجنة السابقة دون تقبل بتقديم مساعدة اليونسكو إلي. 

وعلى الرغم من ذلك فقد مضيت في تأليف كتابي موقناً بأن الله وحده هو المعين الحقيقي الذي يزيل كل العقبات والصعاب. 

وإني لأذكر كم كانت السنوات الماضية شاقة, وكم كانت الظروف قاسية. ولقد كاد اليأس أن يدفعني إلى عدم الاستقرار في العمل, لولا شعوري بأهمية المسؤولية التي تحملتها, وهي مسؤولية أقوى من اليأس. 
وإني لأرى اليوم نعمة الله وفضله على عياناً إذ أتمت طبع المجلدات الستة الأولى من الكتاب, وأخذت في تأليف المجلد السابع. 


لقد سمحت لنفسي أن أسرد عليكم قصتي في تأليف كتابي حتى لا تبقى هذه القصة بمراحلها المختلفة مجهولة لديكم. 
وأريد الآن أن أعطيكم تصوراً عما تحتويه المجلدات التي كملت طباعتها باللغة الألمانية وعن مشروعي للمجلدات القادمة. 

1. المجلد الأول: قدمت أن هذا المجلد ألف بادئ الأمر ليكون تجديداً لعمل بروكلمان غير أن كتاب بروكلمان يبتدئ بالشعر والنحو واللغة والتاريخ والعلوم العربية والفلسفية والعلوم الطبيعية بينما يحتوي المجلد الأول من كتابي على علوم القرآن والحديث والتاريخ والفقه والعقائد والتوحيد والتصوف وذلك منذ نشأة هذه العلوم إلى سنة 430هـ, وقد نشر هذا المجلد سنة 1967م. 

2. المجلد الثاني: وهو يحتوي على الشعر. 
ولما كنت قد أنهيت مسودة هذا المجلد الأول مع مسودة علم اللغة والنحو والبلاغة والنثر فقد اضطررت إلى تأخير طباعته لإدخال كثير من التغيير, ولذلك فقد تأخرت طباعةهذا المجلد إلى سنة 1975م. 

3. المجلد الثالث: نشر سنة 1970 يحتوي على الطب والبيطرة وعلم الحيوان. 

4. المجلد الرابع: نشر سنة 1971 يحتوي على الكيمياء والنبات والزراعة. 

5. المجلد الخامس: نشر سنة 1973 يحتوي على الرياضيات. 

6. المجلد السادس: وهو ما يزال قيد الطبع وستنتهي طباعته في مدى ثلاثة شهور إن شاء الله تعالى. 
وهو يحتوي على علم الفلك وأحكام النجوم والآثار العلوية, وسيصدر في ألف صفحة تقريباً. 

7. المجلد السابع: أعمل في إعداده للطبع, وأرجو أن يوفقني الله إلى إكماله في سنة ونصف السنة إن شاء الله تعالى. 
وهو يحتوي على علم اللغة والنحو والبلاغة ... إلخ. 

8. المجلد الثامن: وسيحتوي على علم الفلسفة والمنطق وعلم النفس والأخلاق والسياسة وعلم الاجتماع. 
وقد ألفت قسماً منه. 

9. المجلد التاسع: وسيحتوي على الجغرافية والفيزياء والجيولوجيا والموسيقى. 

10. المجلد العاشر: وهو المدخل إلى العلوم الإسلامية, ويتضمن نشأة العلوم الإسلامية وتطورها- التجربة – النظرية – المشاهدة – خلفية النقد وأسلوبه – أمانة النقل عند العلماء المسلمين – المقارنة بينهم وبين الإغريق واللاتين في صفات الأمانة والدقة والاحتياط – أثر العلماء المسلمين في أوروبا في سائر النواحي. 

ويلي المجلدات العشرة الفهرس العام. 
وإذا فسح الله في الأجل فسوف أكتب إن شاء الله عن العلوم كلها في الدورة الثانية من سنة 430هـ إلى القرن الحادي عشر الهجري. 


واسمحوا لي الآن أن أشير إلى بعض ما تحتويه هذه المجلدات مما يحتمل أن يكون جديداً في دراسة تاريخ العلوم الإسلامية:
1. في المجلد الأول: ربما كان جديداً محاولتي أن أبين أن تدوين العلوم الدينية يبتدئ في القرن الأول من الهجرة, وأناقش أهمية الإسناد في الرواية الإسلامية. 

2. في المجلد الثاني: ناقشت في مقدمة طويلة قضية أصالة الشعر الجاهلي وروايته, وصنفت مصادر الشعر الجاهلي والإسلامي, ومن ضمنها المعلقات والمفضليات والمجمهرات والأصمعيات, وكتب الحماسة, وكتب المعاني والفضائل والمثالب والأمالي والنوادر وكتب الطبقات.. إلخ. 
وتناولت نظريات الشعر معتمداً على أكثر من مئة مصدر لم يستفيد منها أو لم تكتشف من قبل هذا. 
ويضم هذا المجلد ترجمة 2000 ألفي شاعر تقريباً مع استعراض إنتاجهم. 

3. في المجلد الثالث: جمعت في هذا المجلد لأول مرة المصادر الإغريقية والسريانية والفارسية القديمة والهندية لعلم الطب عند المسلمين, ويلي ذلك استعراض الأطباء المسلمين. 
وهذا المنهج القائم على سرد المصادر الأجنبية واستعراض العلماء المسالمين بعدها هو المنهج المتبع في المجلدات التالية جميعها. 


وإن المبادئ الأساسية التي تسود هذا المجلد والمجلدات التالية له موضحة في المقدمة كما يلي: 

1. إن نشأة العلوم الطبيعية - فضلاً عن العلوم الدينية - تبتدئ لدى المسلمين في القرن الأول من الهجرة, وليس صحيحاً ما يظنه كثير من الباحثين من أن هذه العلوم تبتدئ في أواخر القرن الثاني.

2. إن عهد الترجمات الأولى يرجع إلى القرن الأول لا إلى أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث كما يظن كثير من الباحثين. 

3. إن الكتب المزيفة المنسوبة إلى أساطين العلماء من اليونان ليست من وضع المسلمين كما يظن كثير من المعاصرين. 
وليس هناك أي دافع يحدو بالمسلمين أن يتستروا تحت أسماء اليونان. 
وإنما ترجم المسلمون هذه الكتب ظناً منهم أنها كتب صحيحة النسبة إلى علماء اليونان. 
وهذه المبادئ الثلاثة أصبحت قيد النقاش عند المتخصصين, وقد قبلها بعضهم وتردد بعضهم في قبولها ورفضها بعضهم الآخر. 

4. في المجلد الرابع: أهم المسائل التي عنى بها في هذا المجلد هي مشكلة تأسيس علم الكيمياء في القرن الثاني من الهجرة على يد جابر بن حيان. 
وهنا أحاول أن أثبت أن جابر ابن حيان شخصية حقيقية لا خرافية كما يدعى بعض الناس بناء على نظرية كراوس P.Kraus وغيره. 
فتلك الكتب الكيميائية التي الفها جابر تصدر عن شخصية علمية عظيمة, يستطيع الإنسان أن يرى فيها مثيلاً لأرسطاطاليس. 
وإن الكتب التي تحمل اسم جابر مؤلفاً لها لا يمكن أن تنسب إلى مدرسة إسماعيلية للكيمياء, عاش اصحابها المزعومون في أواسط القرن الثالث إلى أواسط القرن الرابع. ليس في تاريخ الإسلام أي اشارة إلى تصور مثل هذه المدرسة.
وقد بدأت هذه المسألة تناقش لدى العلماء ورفضها بعض المتخصصين دون أن يبدوا أدلة تبرر هذا الرفض وأوصى بعضهم بالاحتياط في الرد عليها. 
وكانت فكرة الرد على تلك النظرية تحرك وتثار من قبل بلسنر M.Plessner وهو صديق حميم للعالم كراوس الذي يعد أكبر ممثل للفكرة القائلة بأن جابر بن حيان شخصية خرافية.
ولقد رفع العالم الفرنسي كوربين H.Corbin صوته, وكان من أصدقاء كراوس ومؤيديه, وأعلن بأنه على المتخصصين التخلي عن فكرة كراوس, كما أعلن بأنه يقبل بما جاء في المجلد الرابع من كتاب تاريخ التراث العربي قبولاً تاماً, ووعد بتلخيص محتوي المجلد الرابع للقراء الفرنسيين. 

5. في المجلد الخامس: وهو - كما قدمنا - يتضمن تاريخ الرياضيات عند المسلمين, ويظهر أن المسلمين وصلوا إلى نتائج هامة. 
فقد أسسوا علم الجبر كعلم مستقل, واستطاعوا أن يجدوا طرقاً لحل المعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة, منها الحل العددي والحل الهندسي والحل بطريق المنحنيات ووصلوا إلى تنظيم المعادلات من الدرجة الرابعة وحلها, ووصلوا أيضاً في الحساب التفاضلي, وقد أسسوا أيضاً علم المثلثات كعلم مستقل, واكتشفوا المثلثات الكروية .. إلخ. 

6. في المجلد السادس: وهو - كما قدمنا - يتضمن علم الفلك وأحكام النجوم والآثار العلوية وسوف أنهي في محاضرة قادمة أهم النتائج في هذه المجالات فلاداعي لذكرها هنا. 


أما الجديد على الإطلاق في هذا المجلد فهو القسم الثالث أي قسم الآثار العلوية وقد كان من نعم الله على المؤلف أنه استطاع أن يكتب تاريخ هذا العلم عند العرب الذي لم يكتب فيه المحدثون شيئاً البتة. 
وقد حاولت أن أبين أن العلماء المسلمين وضعوا عدة نظريات في ميدان الآثار العلوية, وبعض هذه النظريات مطابق تماماً للنظريات الحديثة. 

وأرى لزاماً علي أن أصرح بأني اجتهدت في أثناء عملي أن أكون واقعياً منصفاً, وأن أفتدي بما عبر عنه البيروني أحسن تعبير إذ يقول: "إنما فعلت ما هو واجب على كل أنسان أن يعمله في صناعته من تقبل اجتهاد من تقدمه بالمنة, وتصحيح خلل إن عثر عليه بلا حتمة ... وتخليد ما يلوح له فيه تذكرة لمن تأخر عنه بالزمان وأتي بعده" (القانون المسعودي 1/ 4 – 5). 

وإن آصرة الدين التي تربطني بالعلماء المسلمين ومحبتي لهم لم تنفعاني إلى أن أبالغ في ذكر ما قاموا به في تاريخ العلوم, ولكنهما حدتا بي إلى أن أبحث عن جهودهم واكتشافاتهم, وأن أسر بإثباتها, وأن أسجلها فقط. 

وكثيراً ما كنت لا أنجح تماماً في عرضها وبيانها وهذا ما كان يحصل أحياناً نتيجة لعجزي, وأحياناً لتعبي وأحياناً بسبب تسرعي إذ أدركت أن العمر قصير أمام ضخامة العمل الذي تصديت له, وكنت مضطر إلى أن لا أطيل الوقوف عند مجلد مدة طويلة على حساب المجلدات الأخرى. 

وأخيراً هذه الخلاصة موجزة لعملي بتاريخ التراث العربي وحياتي معه, وربما أشفقتم على من هذه الحياة الشاقة, ولكي أحس بيني وبين نفسي بأنني من أسعد عباد الله الذي أساله العون والتوفيق.

____________________

المصدر:



تعريف موجر لسيرة سزكين:


محمد Fuat Sezgin فؤاد سزگين (1342 - 1439 هـ = 1924 - 2018 م)

• باحث تركي، ولد وتوفي بها، وعاش في ألمانيا، تخصص في التراث العلمي العربي والإسلامي. مؤسِّس ومدير معهد دراسات التاريخ والعلوم الإسلامية والعربية في جامعة گوته في فرانكفورت
• بعد دراسته الثانوية، التقى بالمستشرق هلموت ريتر Hellmut Ritter الذي كان يدرّس في تركيا منذ عام 1926، فوجهه إلى دراسة التاريخ العربي الإسلامي
• تعلم العربية، بل أتقن 27 لغة، من بينها السريانية والعبرية واللاتينية والعربية والألمانية بشكلٍ جيِّدٍ جدًّا.
• حصل في عام 1954 تحت إشراف هلموت ريتر على الدكتوراه بأطروحةٍ عنوانها «مصادر البخاري»، نشرها بعد ذلك ككتاب باسم «دراسات حول مصادر الجامع الصحيح للبخاري»
• أصبح أستاذًا في جامعة إسطنبول عام 1954.
• عام 1960 غادر إلى ألمانيا ليواصل دراساته بجامعة فرانكفورت. وفي سنة 1965، قدّم أطروحة دكتوراة ثانية عن عالم الكيمياء «جابر بن حيان»، وتزوج من المُستشرقة أورسولا Ursula .

[معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية]
• سعى لدى الدول العربيَّة إلى تأسيس معهد دولي متخصِّص بتاريخ العلوم العربيَّة الإسلاميَّة، فشارك فيه 14 دولة عربية وعدد من المنظمات، فتم تأسيس (معهد تاريخ العلوم العربيَّة والإسلاميَّة) عام 1982 في فرانكفورت
• وكان من أهم ما أنجزه خلال معهده أنه أعاد صنع الآلات العربيَّة القديمة، وكان قد عثر على كثيرٍ منها في المخطوطات القديمة، رغم أنَّ المخطوطات غالبًا ما تصف الآلات فقط دون أن ترسمها، فأسس في عام 1983 متحفا داخل المعهد جمع فيه أكثر من 800 نسخة من الأجهزة العلمية التاريخية والأدوات والخرائط

[دور العرب والمسلمين في تاريخ العلوم]
• وكان مهتما ببيان إسهام العرب في تاريخ العلوم، لأن مؤرِّخي العلوم يبالغون في دور النهضة الأوروبِّيَّة، وينكرون مكانة العلوم العربيَّة والإسلاميَّة.
• فأثبت أن خرائط العالم والخرائط الجزئية الأوربية حتى بداية القرن الثامن عشر الميلادي ترجع إلى أصول عربية. ففي عهد الخليفة المأمون في بداية القرن التاسع الميلادي قام نحو 70 جغرافيًّا برحلة استغرقت عدة سنوات جالوا خلالها في السفن وعلى ظهور الخيول والفيلة مختلف أرجاء أفريقيا وأوربا وآسيا، وأسفرت هذه الرحلة العلمية عن وضع خريطة للعالم تعتبر -بالنسبة إلى ذاك الزمان- ذات دقة عالية تثير الدهشة، يعرضها معهد فرانكفورت بعد أن حولها بطريقة فنية بارعة إلى مجسم على شكل كرة أرضية
• ومن ذلك استفاضته في المجلَّد الرابع (الكيمياء) من كتابه «تاريخ التراث العربي» في دحض الافتراءات الملصقة بالكيميائي «جابر بن حيان»، التي تهدف إلى الطَّعْن في منزلة الكيمياء في الحضارة العربية، مع إنكار صحَّة نسب عددٍ ضخمٍ من الكتب الكيميائيَّة إليه، فهو في رأي المُنكرِين له «شخصيَّة وهميَّة»، لا وجود لها.

[مع الإمام البخاري]
بسبب آرائه في «صحيح البخاري» وجهت له انتقادات شديدة، حيث يزعم أن البخاري في تأليفه قد جمع من الكتب السابقة دون انتقاء، وأنه لم يكن موفقا أيضا في جمع المواد اللغوية والتاريخية والفقهية، كما تابع جولدزيهر وغيره من المستشرقين في زعمه أن وجود (المعلقات) في «صحيح البخاري» يشكك في قيمته وأن الأسانيد ناقصة فى حوالي ربع المادة. وكلها مزاعم باطلة مردود عليها، لعل سزكين وقع فيها بسبب عدم تعمقه في علم الحديث، ويستغرب منه التسرع في إطلاق هذه الاتهامات

[كتاب تاريخ التراث العربي]
• بدأ العمل فيه كمستدرك على كتاب أستاذه كارل بروكلمان (تاريخ الأدب العربي)، لكنه غيّر ذلك واتجه لعمل كتاب جديد كليا مستقل عن كتاب بروكلمان
• ويُغطِّي الكتاب الفترةَ من ظهور الإسلام حتى عام (430 هـ) ليُؤرِّخ لمنجزات العلماء العرب والمسلمين، مع ترجمةٍ لكلِّ عالم، وأسماء مؤلَّفاته، وأماكنها في مكتبات العالم المخطوط منها، وناشري المطبوع، مع بيان ما تعلَّق بها من شروح، ومختصرات، وذيول .. إلخ، مرتِّبًا ذلك ترتيبًا زمنيًّا.
• صدرت أولى مجلدات هذا الكتاب سنة 1967 م ثم تتابعت مجلداته حتى وصل (في أصله الألماني) إلى 13 مجلدا، كالتالي:
(1) في 4 أجزاء: علوم القرآن والحديث - التدوين التاريخي - الفقه - العقائد والتصوف (طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1991)
(2) في 5 أجزاء: الشعر (طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1991)
(3) في جزئين: الطب والبيطرة (طبعته جامعة الملك سعود 2009)
(4) في جزء واحد: السيمياء والكمياء النبات والفلاحة (طبعته جامعة الملك سعود 1986)
(5) في جزء واحد: الرياضيات (طبعته جامعة الملك سعود 2002)
(6) في جزئين: الفلك (طبعته جامعة الملك سعود 2008)
(7) في جزء واحد: أحكام النجوم والآثار العلوية وما شابهها (طبعته جامعة الملك سعود 1990)
(8) في جزئين: علم اللغة (طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1988)
(9) النحو
(10، 11، 12) في الجغرافيا والخرائط (مجلدان للنصوص، والثالث للخرائط)
(13) الرياضيات الجغرافية والخرائطية في التراث الإسلامي وتواجدها المستمر في الغرب
• كان الدكتور أكرم العمري (أستاذ التاريخ بجامعة بغداد) أوَّل من قدم دراسة نقدية لكتاب «تاريخ التراث العربي»، ونشرها في مجلة المورد العراقية في فبراير 1973 م. وقد ركز فيها على الجزء الأول الذي تناول التفسير وعلم الحديث، وذكر 23 ملاحظة وصحّح 56 خطأ مطبعيًّا وعلميًّا، واعترف بالقيمة العلميَّة لِلكتاب ونوّه بالجهود الكبيرة التي بذلها المُؤلِّف في إعداده هذه الموسوعة. كما نقد آراؤه حول منهج البخاري والنسائي وغيرها، وقد أكد الدكتور أكرم بعد نقد هذه الآراء، أن سزكين قد تراجع عن تلك الآراء بعد مراجعتها، فيقول: «من الجدير التنبيه عليه أن سزكين قد حذف هذه الآراء في الطبعة التي أصدرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وإنَّما أوردته في البحث لتنبيه من يُراجع الطبعة الأولى ولا سيَّما أنَّ الحذف جرى دون توضيح أو تنبيه» (يعني بالطبعة الأولى: التي ترجمها إلى العربية فهمي أبو الفضل، ونشرتها دار الكتاب العربي (جزئين فقط منه)).
• كما نشر الدكتور حكمت بشير بحثا في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عنوانه «استدراكات على تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين في كتب التفسير». وأصدر الدكتور نجم عبد الرحمن خلف كتابًا عنوانه «استدراكات على تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين في علم الحديث»، ونشره في دار البشائر الإسلامية. كما نشرت بعد ذلك دراسات وتقاريظ عديدة حول هذا الكتاب

• من مؤلفاته أيضًا: «تاريخ البلاغة العربية»، وحقَّق «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنَّى.

• في سنة 1978 كان أول شخص يحصل على جائزة الملك فيصل للعلوم الإسلامية، وفي سنة 1979 حصل على ميدالية گوته من مدينة فرانكفورت. وفي عام 1982 منحه رئيس دولة ألمانيا وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى
• كما حصل على جوائز وأوسمة دولية عديدة طيلة حياته، من مؤسسات مختلفة مثل مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية في بغداد، وأكاديمية العلوم في تركيا، ودكتوراة فخرية من عدد من جامعات العالم

• ويذكر هو أنه كان منهمكاً يوما بالبحث في مكتبة الجامعة فجاء أستاذه المستشرق كارل بروكلمان وسأله قائلاً: كم ساعة يا فؤاد تقضي في المكتبة؟ فأجاب فؤاد: أقضي من 10 - 12 ساعة في اليوم يا أستاذ. فتعجب بروكلمان قائلاً: أني أقضي يومياً (16) ساعة في البحث والدراسة ولا أستطيع أن أنجز كل ما أريده فكيف يتسنى لك أنجاز أعمالك في وقت كهذا
• وقبل وفاته -رحمه الله-، كان يواصل كتابة المجلد الـ 18 من «تاريخ التراث العربي»

المصدر:

الثلاثاء، 5 فبراير 2019

قصة كتاب: الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري


كتاب مشهور، حار الباحثون في صحة نسبته إلى الحميري، إذ لم ينسبه إليه أحد ممن ترجم له. 
ولا خلاف عندهم أن الصحيح في تحديد سنة وفاته ما أثبته ابن حجر أنها سنة 727هـ وهم لذلك يفسرون ما ورد في الكتاب من خبر قانصوه الغوري المتوفى سنة 922هـ بأنه من إضافات النساخ. 
ولا مجال لعدم قبول ذلك، لأن الكتاب أحد مصادر القلقشندي في (صبح الأعشى) الذي فرغ منه سنة 814هـ ولا مجال للشك أيضاً في أن القلقشندي رجع إلى نسخة غير النسخة التي وصلتنا، لأنه نقل منها تراجم ليست في نسختنا، كترجمة (مرمر) و(تعز). ثم لا مجال للشك أيضاً في مغربية الحميري، وأنه لا يعرف قطعاً كتب الجغرافية المشرقية، وأهمها: كتب ابن حوقل والاصطخري والمقدسي وياقوت الحموي. 

وذلك باستثناء ما نقله بالواسطة عن كتاب البلدان لليعقوبي، ثم لا مجال للشك في أن الحميري مجرد ناقل عن كتب جغرافيي المغرب، ولا يعدو أن يكون نسخة ثانية عن كل ما ينقل عنه، وهو لا يمييز فيما ينقل بين الخطأ والصواب، ويتجنب الكثير من أسماء الأعلام خشية الخطأ في نقلها. 

ومن طمع أن يعثر في كتابه على مشاهدات المؤلف أو علاقاته الشخصية، فلا مجال للشك في أنه سيخيب. 
قال محمد بن عبد السلام الدرعي الناصري (ت 1239هـ): (ولم يكن معه تحقيق في أخبار الأقطار، وإنما ينقل من غيره، ولم يجل في الأمصار).
ونستدل للناصري بأنه لم يستطع أن يميز بين (سلا) الرباط و(سلى) السودان، مع أنه من سبتة، قضى معظم حياته فيها، ولا بين الزاهرة والزهراء. 
وجعل (خجندة) في حرف الجيم (جخندة)، و(علوة) في حرف الغين (غلوة)، و(بابة) في حرف الياء (يابة). 

وقد رتب الكتاب حسب الترتيب الهجائي المشرقي، إلا أنه رتب محتويات كل حرف حسب الترتيب المغربي. ووقع في ترتيبه هذا في الكثير من الأخطاء. 
واشترط في كتابه أن لا يذكر من الأقطار إلا ما اتصلت به قصة أو حكمة أو خبر طريف. ونلفت النظر إلى أنه رجع في التعريف بإقريطش إلى هرشيوش: وهو (أورسيوس): مؤرخ أسباني قوطي، عاش في القرن الخامس الميلادي، ووضع باللاتينية تاريخاً للخليقة حتى عصره، اشتهر في الكتابات الإسلامية ب(هروسيس) أو (هرشيوش) ورجع إليه ابن خلدون في مواضع عديدة من تاريخه. 

ومن طرائف ما يتعلق بمخطوطة الكتاب، أنه كانت منه نسخة في حوزة التمجروتي الدرعي سنة 1016هـ مكتوبة بخط مشرقي عتيق صحيح، استعارها منه التنبكتي: صاحب (نيل الابتهاج) وغادر المغرب إلى تنبكت، وظلت النسخة معه خمسة عشر عاماً والتمجروتي يكاتبه مطالباً بردها، وأخيراً أرسل إليه سنة 1031هـ نسخة منقولة عنها. طبعت الفصول المتعلقة بالأندلس من الكتاب، قديماً بعناية ليفي بروفنسال، مع ترجمة إلى الفرنسية، وطبع بتحقيق د. إحسان عباس سنة 1975م. وهو مرجعنا في هذه الترجمة.
______________________________

الباحث زهير ظاظا zaza@alwarraq.com

http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/excoverpage?bookid=3000&option=1

قصة كتاب: المسالك والممالك للبكري


مما لا شك فيه أن كتاب المسالك والممالك كانت له المساهمة الكبرى في شهرة البكري. وهذا الكتاب لا يشبه أي كتاب آخر من نفس الفن رغم تداول هذا الاسم في الأدب العربي. فليس هو مجرد سرد للمسالك كما هو الشأن بالنسبة إلى سميه كتاب ابن خرداذبه ولا هو مجموعة ملح وغرائب وأساطير بدون تنظيم مثل كتاب البلدان لابن الفقيه ولا هو أيضا حوصلة لرحلات كاتبه مثلما هو الشأن بالنسبة إلى المقدسي والاصطخري.

ولا يمكن لمسالك البكري أن يصنف في فن العجائب ولا في نوع كتب الهيئة وإنما يجمع كتاب البكري كل ذلك فتتوالى فيه المسالك ووصف البلدان والشعوب والمدن وتمتزج بالملح والأساطير والاستطرادات التاريخية ويبقى انتباه القارئ دائم اليقظة.

ويشتمل كتاب المسالك على قسمين متقاربي الحجم.

والراجح ان القسم الأول كان يحتوي مقدمة عامة أو تمهيداً يعتبر اليوم ضائعاً ويستهلّ هذا القسم بمقدمة تاريخية طويلة تبدا بمبدأ الخلق وتتعرض لتاريخ الأنبياء من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) .

ويتعلق الفصل الموالي بالمعتقدات الدينية وأوهام قدماء العرب يليه وصف لأهم الهياكل الدينية الموجودة أو التي وجدت عند أمم مختلفة: اليونان والرومان والفرس والصقالبة والصينيون الخ ...

ويبدأ القسم الجغرافي الحقيقي بفصول عديدة في الجغرافية العامة:

الأراضي- البحار- الأنهار- الأقاليم السبعة.

ويستعرض المؤلف بعد ذلك البحار السبعة وأهمّ الأنهار، ويبدأ في القسم الذي تسمّى به كل الكتاب ويتمثل في وصف العالم بلداً بلداً وجهة جهة ومدينة مدينة. ونجد دائماً نفس التخطيط: مقدّمة تاريخية، وصف عام للبلاد والسكان والمنتوجات، وصف للمسالك (وهذا القسم ضائع في الكثير من الأحيان مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الأندلس) ووصف للبلدان مع قسم تاريخي في الغالب، ويتخلّل كل ذلك بعض الحكايات الغريبة تتصل بأدب العجائب.

والتدرج العام ينطلق من المشرق إلى المغرب ويبدأ بالهند فالصين فالترك ثمّ ينتقل إلى الشام والتبت والسند ويخصص للفرس فصلاً كبيراً.

ويتبع ذلك بصورة منطقية تاريخ الإسكندر الأكبر ثمّ تاريخ ملوك الإغريق بمصر والشام وتاريخ الروم ويلي ذلك ملوك السودان ثمّ البربر وبلاد واحات أفريقيا ثمّ أوروبا فيتحدّث البكري عن الصقالبة والإفرنج والجلالقة والنورمان ويختم بفصل عن الأكراد.

ويتعلّق كلّ ما سبق بغير العرب ويبدأ القسم الخاص بهؤلاء بتاريخ ممالك العرب القدامى في اليمن والحيرة. ويلي ذلك وصف الجزيرة العربية بصفة إجمالية ثم جهة جهة بداية باليمن. وفي هذا القسم يخصص المؤلف فصلاً طويلاً لمكة، المدينة المقدسة، تاريخها وأماكنها المقدّسة والجبال التي تحيط بها.

ويبدأ في العراق أيضاً بوصف العراق وأهم مدنه ونجد في آخر الجزء الأول بعض المقالات عن بعض الشعوب التركية.

ويبدأ القسم الثاني بوصف حائط يأجوج ومأجوج ورحلة سلام الترجمان. ثمّ يرجع المؤلف إلى الشرق الأوسط ويقدم لنا معلومات عن العواصم وعن الشام نفسه بمدنه الرئيسية.

ثمّ يتحدّث عن فلسطين ويأتي بوصف طويل لبيت المقدس. وتتواصل الرحلة في بلاد الروم وبعض جهات جنوب شرقي أوروبا، وينتهي هذا القسم بوصف بلاد الروس. وتتواصل الرحلة نحو المغرب بفصل طويل عن مصر، وينتهي الفصل بوصف الإسكندرية.

ويقودنا طريق الاسكندرية- أفريقية إلى شمال أفريقيا، وتتوالى المعلومات عن المسالك ووصف المدن بشيء من التطويل. ويهتم القسم الأخير من الكتاب بأوروبا الغربية.


نسخ الكتاب

إن عدد مخطوطات المسالك المعروفة إلى يومنا هذا عشرة وهي موزعة في مكتبات مختلفة بالمشرق والمغرب ولا يوجد أي مخطوط بخط المؤلف أو يرجع إلى نسخته بالاضافة إلى أن جلّ هذه المخطوطات مبتورة سواء من البداية أو النهاية وهي:

1- مخطوط مكتبة الآلي بإستنبول رقم 2. 2144- مخطوط مكتبة نور عثمانية باستنبول رقم 3. 3034- مخطوط المكتبة الوطنية بباريس رقم 4. 5905- مخطوط مكتبة الأكاديمية الملكية بمدريد مجموعة قاينقوس رقم 5. 13- مخطوط مكتبة القرويين بفاس رقم ل 6. 80 / 390- مخطوط المكتبة الوطنية بالرباط رقم ق 7. 488- مخطوط المكتبة الوطنية بباريس رقم 8. 2218- مخطوط المتحف البريطاني بلندن رقم 9577.

9- مخطوط مكتبة الإسكوريال مدريد رقم 10. 1625- مخطوط المكتبة الوطنية بالجزائر رقم 1548.

وأما الكتاب الحاضر فقد طبع عام 1992 م من قبل منشورات دار الغرب الإسلامي بتونس في قطع وزيري وغلاف كرتوني وفي مجلدين بتحقيق وتقديم آدريان وان ليون وأندرو فري. يقع الكتاب في 1002 صفحة مع 33 صفحة خلاصته باللغة الفرنسية.


____________________________________

المصادر

1- تاريخ الكتب الجغرافية في العالم الإسلامي، كراتشكوفسكي.

2- الموسوعة الإسلامية الكبرى، ج 5، المدخل: أبو عبيد البكري، الكاتب: عناية الله رضا.

3- مقدمة المحققين.



الموسوعة الشاملة

الاثنين، 4 فبراير 2019

قصة كتاب: خريدة العجائب وفريدة الغرائب لسراج الدين ابن الوردي


كتاب مشهور. كانت للمستشرقين عناية به في النصف الأول من القرن (19). 
وفي نسبته إلى ابن الوردي شكوك. (1) ألفه جامعه تلبية لأمر نائب السلطنة الشريفة بالقلعة المنصورة، وجعله شرحاً للخريطة التي رسمها له، بحيث يصعب الفصل بين الكتاب والخريطة. 
التي لا تزال مكتبة باريس محتفظة بأصلها. 
وأتبع ذلك بذكر ما تضمنته الخريطة من أسماء البلدان، وعجائبها وآثارها مرتبة حسب الأقاليم المرسومة، ثم البحار والجزر والآبار والأنهار والعيون، ثم الجبال والأحجار والنباتات والحيوانات. وختمه بأبواب شتى، منها: رسالة في أجوبة النبي (ص) على 1404 مسائل لليهود. وفصول في علامات الساعة، وأحوال القيامة. 

طبع الكتاب لأول مرة في مدينة لوند في أسوج سنة 1824م مع ترجمة لاتينية بعناية هيلاندر، وطبع مابين (1835و1839) بعناية تورنبورغ في مجلدين. 
وطبع في القاهرة طبعات كثيرة، أولها: سنة 1292هـ ونشر (سيغفريد فرويند) الفصل الخاص بأحوال يوم القيامة في (برسلاو) سنة1853م. 

كانت للكتاب شهرة في نواحي اليمن كما يفهم من مراجعة تاريخ الكتاب. 
وقد ذكره العيدروس في (النور السافر) ونهج على منواله الضمدي كما سيأتي. 
ومعظم المتأخرين ينسبون الكتاب إلى ابن الوردي الشاعر المتوفى سنة (749هـ). وذهب محمد بن أبي شنب (ت1930م) في دائرة المعارف الإسلامية (1 / 302) إلى أن مؤلف الكتاب رجل آخر، يدعى أيضاً ابن الوردي، ووفاته سنة (861).
وتعقبه الزركلي في الأعلام بأن هذا هو الوروري: عمر بن عيسى، وليس الوردي. قال: (وبهذا يظل الإشكال في نسبة خريدة العجائب إلى ابن الوردي). 
وأفاد أنه رأى في الفاتيكان (1098 عربي) مخطوطة يمانية حديثة، كتبها يوسف بن المطهر الجرموزي سنة 1124هـ وعليها اسم المؤلف: عمر بن منصور بن محمد بن عمر الوردي السبكي).* 
وعلى شاكلته ألف الضمدي، صاحب (العقيق اليماني) كتابه: (جواهر المغاص في معرفة الخواص) واستدرك فيه أشياء على ابن الوردي، منها أنه لم يذكر من بلدان التهائم سوى زبيد وعدن، قال: (وهو كثير عليه لبعد أرضه وعدم معرفته باليمن وأهله، فاستوفينا الكلام على اليمن...إلخ).
انظر التعريف بكتاب الضمدي في مجلة العرب (س23 ص490 وس30 ص807). 

وقد رتب فيه باب الحيوان والنبات على حروف المعجم. 
ومن ميزاته: تسمية النباتات بأسمائها القديمة والحديثة، كقوله: ودم الأخوين هو العندم، والبقلة الحمراء هي الرجلة، والحمّص هو الصنبري، وحب الرشاد هو الحرف..إلخ. 
------------------ 

(1) عثرت في متن الكتاب على تاريخ تأليف الكتاب، وهو عام 822 للهجرة، وذلك أثناء حديثه عن عمر الخليقة، قال: ومن مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عامنا هذا: ثمانمائة وثلاث وستون سنة، فيكون جملة التاريخ من عهد آدم إلى يومنا هذا وهو عام ثمانمائة واثنين وعشرين سنة من الهجرة ثمانية آلاف سنة وستمائة سنة وثلاثاً وستين سنة. ثم وقفت على بحث منشور بقلم الدكتور محمود السيد الدغيم أثبت فيه أن مؤلف الكتاب هو سراج الدين ابن الوردي حفيد ابن الوردي الشاعر.

وصلتني رسالة اليوم 13/ 2/ 2006 من الأستاذ مجيب العدواني، وفيها أنه عثر على نسخة للكتاب في ( John Ryland Library- University of Manchester) وهي في حالة جيدة، كتبت سنة (1092هـ) بخط أحمد محمد أبو السعود الحسني. ولكني لم أفهم من رسالة السيد مجيب هل يريد أنها بخط أبي السعود أم من تأليفه. انظر الرسالة في زاوية التعقيب على الكتاب.

_____________________________________

الباحث زهير ظاظا zaza@alwarraq.com

http://www.alwaraq.net/Core/waraq/coverpage?bookid=337&option=1

قصة كتاب: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للإدريسي



أول كتابٍ اتسم بالعمل الموسوعي في مجال الجغرافيا والبلدانيات. 
اشتهر قديماً باسم (كتاب رُجّار) من قبيل شهرة الكتب بأسماء الملوك التي ألفت لها، كالمستظهري والصاحبي واليميني. 
وكان الإدريسي قد انتهى إلى جزيرة صقلية، تلبية لدعوة صاحبها: رُجَّار الثاني (ت 548هـ) والذي دعا الإدريسي ليضع له صورة العالم، فصنعها له من الفضة على هيئة دوائر كهيئة الأفلاك، ركّب بعضها على بعض، وأقامها على الوضع المخصوص. وأطمعه روجار بالبقاء في بلاطه، وقال له: (أنت من بيت الخلافة، ومتى كنت بين المسلمين عمل ملوكهم على قتلك) حيث ينتمي الإدريسي إلى الملوك الأدارسة بني حمود والملك العالي (إدريس بن يحيى) جد أبيه. 
فوافق الإدريسي على ذلك، ورتب روجار له كفاية لا تكون إلا للملوك. 
وكان إذا دخل مجلسه تنحى له عن مكانه أو أجلسه جواره تعظيماً له. 
وقال له يوماً: (أريد تحقيق أخبار البلاد بالمعاينة لها، لا بما ينقل من الكتب) فوقع اختيارهما على أناس ألباء فطناء أذكياء، وجهزهم إلى أقاليم الشرق والغرب، جنوباً وشمالاً، وسفّر معهم قوماً مصورين -رسامين- ليصوروا ما يشاهدونه عياناً. 
وأمرهم بالتقصي والاستيعاب لما لابد من معرفته، فكان إذا حضر أحد منهم بشكل أثبته الإدريسي حتى تكامل له ما أراد، وجعله مصنفاً وسماه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) وضمنه خلاصة كتب الجغرافية قبله، وهي: 
1- العجائب للمسعودي. 
2- كتاب أبي نصر سعيد الجهياني. 
3- كتاب ابن خرداذبه. 
4- كتاب أحمد بن عمر العذري المتوفى (478هـ).
5- كتاب ابن حوقل البغدادي.
6- كتاب جاناخ بن خاقان الكيماكي. 
7- كتاب موسى بن قاسم القروي. 
8- كتاب اليعقوبي. 
9- كتاب إسحق بن الحسن ابن المنجم. 
10- كتاب قدامة البصري. 
11- كتاب بطليموس الأقلوري. 
12- كتاب أرسيوس الأنطاكي. 

واعتمد فيما يخص جزيرة العرب على كتاب العذري (نظام المرجان في المسالك والممالك) الذي ذكره ياقوت في مادة (دلاية) وكان العذري قد أقام في مكة زهاء سبع سنوات. 

وفي عام (1421هـ 2000م) أصدر مركز زايد للتراث والتاريخ، كتابا بعنوان (الشريف الإدريسي: نزهة المشتاق) من إعداد د. إبراهيم الخوري، اشتمل على معلومات في غاية الأهمية حول تاريخ الكتاب ومخطوطاته ومطبوعاته. 
وجدول الكتب التي نقل عنها الإدريسي، وآخر للرواة الذين نقل عنهم، وآخر للمشاهدات الواردة في الكتاب وهي (45) مشاهدة. 
وجدول لما نشر من دراسات حول الكتاب أو ترجمات لفصول منه بمختلف اللغات، وهي زهاء أربعين عملا، وقد طبع الكتاب كاملا لأول مرة ما بين عامي (1970 و1978م) برعاية المعهد الجامعي الشرقي في نابولي بإيطاليا، وتقع هذه النشرة في (932) صفحة. 

أما عن مخطوطات الكتاب، فقد وصلتنا (14) نسخة له، منها سبع نسخ كاملة،أنفسها: مخطوطة المكتبة الوطنية بباريس، رقم (2221) وتفع في (352) ورقة، وتضم (96) خريطة. 

وانظر مجلة المجمع العراقي (ج21) حول الإدريسي وجهوده الجغرافية، وكتابه (أنس المُهج). 
وانظر مجلة العرب (س5 ص683 وس 4 ص979) وفيها إشارة إلى توقعات الإدريسي حول وجود أمريكا. 
وفي مواضع متفرقة بعنوان (بلاد العرب في بعض مؤلفات علماء الأندلس) ومعظمها عن الإدريسي. وفيها (ص1182). أن ميناء الجار الذي يكثر كلام الجغرافيين القدماء عنه هو اليوم ميناء (البُرَيكة) وحول أهمية هذا الميناء (س26 ص456).
______________________________________________

الباحث زهير ظاظا zaza@alwarraq.com

http://www.alwaraq.net/Core/waraq/coverpage?bookid=99&option=1

قصة كتاب: المسالك والممالك لابن خرداذبه



من أوائل كتب الجغرافية العربية الموضوعة قبيل التحرر من النتاج اليوناني. 
وقد أخذ هذا التأثر بالضمور شيئاً فشيئاً بسبب مركز العالم الجديد الذي عنيت الجغرافية العربية بالتركيز عليه، وهو أرض الحرمين الشريفين، وما يلزم الحاج من معلومات لأداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام. 
إضافة إلى وجوب معرفة البلاد التي فتحت صلحاً أو عنوة أو أماناً لتحديد نوع الضريبة ومقدار الخراج المتوجب فرضه، بعدما أصبحت بغداد كبرى حواضر العالم. 

ويوجز ميكيل أهم خصائص ومميزات هذا الدور بقوله: (إنها جغرافية عقلية، بمعنى أنها تعي ذاتها وموضوعها، أي دار الإسلام، وهي جغرافية بشرية شاملة، لأنها تعالج جميع ما تعتقد أنه يهم دراسة الإنسان على أرضه، وهي جغرافية حسية، عاشها أصحابها في مغامراتهم، وربطوا في النهاية معظم معطياتها بمشاهداتهم المباشرة، وهي أخيراً جغرافية مكتوبة لأنها تفصل تسجيل معطياتها عن إمكانية تناقلها).
(جغرافية دار الإسلام البشرية) ترجمة إبراهيم خوري (ج1 ق2 ص96). 

يمتاز كتاب ابن خرداذبه (وهو الكتاب اليتيم الذي وصلنا من آثاره التسعة) بالدقة المتناهية في تقدير الخراج، وهو يصرح أنه تلقى معلوماته عن الفضل بن مروان وزير المعتصم ومتولي ديوان الخراج للواثق. 
ويعتبر (تشنر) أن ابن خرداذبه يُعَدُّ بحق أبا الجغرافية العربية، لكونه وضع نمطاً وأسلوباً للجغرافية في اللغة العربية، رغم أنه تأثر بالكتابات الإيرانية في علم الجغرافيا، خاصة وأن الكتاب يزودنا بمعلومات تاريخية مستقاة من المصادر الفارسية عن الحياة في الجاهلية. 
(دائرة المعارف الإسلامية/ مادة جغرافيا). 

ويستنتج (دي غويه) من خلال دراسته لبعض النصوص التاريخية التي وردت عند الطبري أن ابن خرداذبه وضع كتابه سنة (232هـ 846م) في آخر أيام الواثق العباسي، وظل يضيف إليه بالتدريج بعض الزيادات إلى أن ظهرت له نسخة ثانية عام (272هـ 855م). 

أما غياب الترتيب عن الكتاب، وافتقاره للوضوح في بعض فصوله فيعود كما يقول د. محمد مخزوم في مقدمة نشرته إلى أن الكتاب الذي بين يدينا ليس سوى مختصر للكتاب. 
وكان (باربيه دي مينار) أول من نشر هذا الكتاب مع ترجمة له. 
ثم قام (دي غويه) بضمه سنة (1885م) إلى سلسلة منشوراته المعروفة باسم (الخزانة العربية الجغرافية) والتي بدأ إصدارها سنة (1870م) في ليدن. 
المرجع: مقدمة د. محمد مخزوم لنشرتة (دار إحياء التراث العربي: بيروت 1988م).
_____________________________________

الباحث زهير ظاظا zaza@alwarraq.com

http://www.alwaraq.net/Core/waraq/coverpage?bookid=54&option=1