بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

تبع الأول


أخبرنا أبو عمر محمد بن سهل بن هلال البستي بمكة حدثنا أبو الحسن محمد بن أبي نافع الخزاعي حدثنا أبو محمد إسحاق بن محمد حدثنا أبو الوليد الأزرقي حدثني جدي عن سعيد بن سنان عن عثمان بن ساج عن محمد بن إسحاق قال: سار تبع الأول إلى الكعبة فأراد هدمها وكان من الخمسة الذين لهم الدنيا بأسرها.
وكان له وزراء فاختار منهم واحدا وأخرجه معه وكان يسمى عميارسنا لينظر إلى أمر مملكته، وخرج في مائة ألف وثلاثين ألفا من الفرسان، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة، وكان يدخل كل بلدة وكانوا يعظمونه، وكان يختار من كل بلدة عشرة أنفس من حكمائهم حتى جاء إلى مكة ومعه أربعة آلاف رجل من الحكماء والعلماء الذين اختارهم من بلدان مختلفة فلم يتحرك له أحد ولم يعظموه، فدعا عليهم، ودعاء عميارسنا وقال: كيف شأن أهل هذا البلد الذين لم يهابوني، ولم يهابوا عسكري، كيف شأنهم وأمرهم؟
قال الوزير: إنهم غريبون جاهلون لا يعرفون شيئاً، وإن لهم بيتا يقال له الكعبة، وإنهم معجبون بها ويسجدون للطاغوت والأصنام من دون الله عز وجل.
قال الملك: إنهم معجبون بهذا البيت؟
قال: نعم، فنزل ببطحاء مكة معه عسكره وتفكر في نفسه دون الوزير ودون الناس وعزم أن يأمر بهدم هذا البيت وأن التي سميت كعبة تسمى خربة، وأن يقتل رجالهم ويسبي نساءهم وذراريهم، فأخذه الله عز وجل بالصداع، وفتح في عينيه وأذنيه وأنفه وفمه ماء منتنا فلم يكن يستقر أحد عنده طرفة عين من نتن الريح فاستيقظ لذلك، وقال لوزيره اجمع العلماء والأطباء وشاورهم في أمري، فأجمع العلماء والأطباء عنده فلم يصبر أحد منهم ولم يمكنهم مداواته.
فقال: قد جمعت حكماء بلدان مختلفة ووقعت في هذه العلة فلم يقم أحد في مداواتي؟
فقالوا بأجمعهم: يا قوم أمرنا أمر الدنيا، وهذا أمر سماوي لا نستطيع مرد أمر السماء واشتد الأمر على الملك فتفرق الناس وأمره كل ساعة أشد، حتى أقبل الليل وجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال: إن بيني وبينك سرا وهو أنه إن كان الملك يصدق لي في كلامه وما نواه عالجته، فاستبشر بذلك الوزير وأخذ بيده وحمله إلى الملك وقال للملك: إن رجلا من العلماء ذكر: إن صدق الملك ما نواه في قلبه ولم يكتم شيئا منه عالجته، فاستبشر الملك بذلك وأذن له بالدخول عليه، فدخل فقال: إن بيني وبينك سرا أريد الخلوة فيه، فخلا به وقال: هل نويت في هذا البيت أمراً؟
قال: نعم.
قال: نويت أن أخرب هذا البيت، وأقتل رجالهم وأسبي نساءهم.
فقال: إن وجعك وبلاءك من هذا، اعلم أن صاحب هذا البيت قوي يعلم الأسرار فيجب أن تخرج من قلبك جميع ما نويت من أذى هذا البيت وذلك خير الدنيا والآخرة.
قال الملك: قد أخرجت جميع المكروهات من قلبي، ونويت جميع الخيرات والمعروفات فلم يخرج العالم الناصح العالم حتى برأ من العلة وعافاه الله عز وجل، فآمن بالله عز وجل من ساعته، وخرج من منزله صحيحا على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أول من كسى البيت، ودعا أهل مكة فأمرهم بحفظ الكعبة وخرج هو إلى يثرب.

   ويثرب هي بقعة فيها عين ماء ليس فيها نبت ولا بيت ولا أحد، فنزل على رأس العين مع عسكره بجمع العلماء والحكماء الذين كانوا معه واختارهم من بلدان مختلفة، ورئيس العلماء العالم الناصح الشفيق لدين الله عز وجل الذي أعلم الملك شأن الكعبة ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا فاعتزل من بين أربعة آلاف رجل عالم على أربعمئة رجل، كل من كان أعلم، وأفهم وبايع كل واحد منهم صاحبه أنهم لا يخرجون من ذلك المقام وإن ضربهم الملك وقتلهم وقرضهم وأحرقهم وجاءوا بجملتهم ووقفوا بباب الملك، وقالوا: إنا خرجنا من بلداننا فطفنا مع الملك زماناً وحيناً ونريد أن نقيم في هذا المقام إلى أن نموت فيه، إنا قد عقدنا أن لا نخرج من هذا المقام إلى أن نموت، وإن قتلنا وحرقنا.
فقال الملك للوزير: انظر ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا أحتاج إليهم، ولا أستغني عنهم، وأي حكمة في نزولهم في هذا المقام واختيارهم؟ فخرج الوزير وجمعهم وذكر لهم قول الملك، فقالوا للوزير: اعلم أن شرف هذا البيت وشرف هذه البلدة بسبب هذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد صلى الله عليه وسلم إمام الحق، صاحب القضيب والناقة والتاج، والهراوة، وصاحب القرآن، والقبلة، وصاحب اللواء والمنبر يقول: لا إله إلا الله ، مولده بمكة وهجرته إلى ها هنا، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وكنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا، فلما سمع الوزير مقالتهم هم أن يقيم معهم فلما جاء وقت الرحيل أمر الملك أن يرتحلوا فقالوا بأجمعهم: لا نرحل وقد أخبرنا الوزير بحكمة مقامنا ها هنا، فدعا الملك الوزير فقال له لم تخبر بالمقالة؟
قال: لأني عزمت على المقام معهم وخفت أن لا تدعني، واعلم أنهم لا يخرجون فلما سمع الملك منه تفكر أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الملك أن يبنوا أربع مائة داراً لكل رجل من العلماء داراً. واشترى لكل رجل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه، وأعطى لكل واحد منهم عطاء جزيلاً، وأمرهم أن يقيموا في ذلك الموضع إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم، وكتب كتاباً وختمه بالذهب ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصحه في شأن الكعبة، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد صلى الله عليه وسلم إن أدركه، وإن لم يدركه إلى أولاده وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا إلى حين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في الكتاب:
أما بعد يا محمد فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزله الله عز وجل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شئ وبكل ما جاءك من ربك عز وجل من شرائع الإيمان والإسلام إنني قبلت ذلك فإن أدركتك فبها ونعمت وإن لم يدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسى فإني من أمتك الأوابين وتابعيك قبل مجيئك وقبل إرسال الله تعالى إياك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وختم الكتاب بالذهب ونقش عليه: { لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } وكتب عنوان الكتاب: إلى محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلوات الله عليه، من تبع الأول حمير بن وردع، أمانة الله في يد من وقع إليه، إلى أن يوصل إلى صاحبه، ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصح له في شأن الكعبة وأمره بحفظها، وخرج تبع من يثرب، ويثرب هو الموضع الذي نزله العلماء، وهو مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وسار تبع حتى مر بغلسان -بلد من بلاد الهند- فمات بها.

    ومن اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة لا زيادة ولا نقصان، ثم إن أهل المدينة الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولاد أولئك العلماء الأربع مائة الذين سكنوا دور تبع إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فلما هاجر رسول الله وسمعوا بخروجه استشاروا في إيصال الكتاب فأشار عليهم عبد الرحمن بن عوف، وكان قد هاجر قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن اختاروا رجلا ثقة، وابعثوا بالكتاب معه إليه.
فاختاروا رجلا يقال له أبو ليلى -وكان من الأنصار- ودفعوا إليه الكتاب وأوصوه بمحافظة الكتاب والتبليغ، وخرج على طريق مكة فوجد محمداً صلى الله عليه وسلم في قبيلة سليم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل فدعاه فقال: (( أنت أبو ليلى؟ )) قال: نعم قال: (( ومعك كتاب تبع الأول ))، فبقي الرجل متفكراً وذكر في نفسه أن هذا من العجب، ولم يعرفه، فقال: من أنت؟ فقال: فإني لست أعرف في وجهك أثر السجود، وتوهم أنه ساحر فقال: (( لا بل أنا محمد، هات الكتاب ))، ففتح الرجل رحله وكان يخفي الكتاب فدفعه إليه، فقرأه أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( مرحبا بالأخ الصالح )) ثلاث مرات، وأمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة، فرجع وبشر القوم، فأعطاه كل واحد منهم عطاء على تلك البشارة، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أهل القبائل أن ينزل عليهم وتعلقوا بناقته فقال: (( دعوها فإنها مأمورة )) حتى جاءت إلى دار أبي أيوب فبركت، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب، وأبو أيوب كان من أولاد العالم الناصح تبع في شأن الكعبة وكانوا ينتظرونه وهم من أولاد العلماء الذين سكنوا يثرب في دور تبع التي بناها لهم، والدار التي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها هي الدار التي بنى تبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
_____________________________

ابن عساكر (المتوفى: 571هـ): تاريخ دمشق 11 / 10 إلى 14

تاريخ التبابعة من كتاب المعارف للإمام ابن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)



كتاب الملوك ملوك اليمن

قال أبو محمد:
كان «يعرب بن قحطان» سار إلى «اليمن» في ولده وأقام بها، وهو أوّل من نطق بالعربية من ولد «آدم» ، وأوّل من حياه ولده بتحية الملوك: أبيت اللعن، وأنعم صباحا.
و «اليمن» كلها من ولده. وولد ل «يعرب» : يشجب بن يعرب. وولد ل «يشجب» سبأ بن يشجب. وكانت الملوك في ولده. ويقال: إنه سمى: سبأ، لأنه أوّل من سبى السبي من ولد «قحطان» .
فأوّل الملوك من ولده: حمير بن سبإ، ملك حتى مات هرما.
ولم يزل الملك في ولد «حمير» لا يعدو ملكهم «اليمن» ، ولا يغزو أحد منهم، حتى مضت قرون، وصار الملك إلى «الحارث الرائش».

الحارث الرائش:
وكان «الحارث» أوّل من غزا منهم، وأصاب الغنائم، وأدخلها «اليمن» ، وبين «الرائش» وبين «حمير» خمسة عشر أبا، فيما يقال. وسمى: الرائش، لأنه أدخل «اليمن» الغنائم والأموال والسبي، فراش الناس.
وفي عصره مات «لقمان» صاحب النّسور. و «لقمان» ، هو الّذي بعثته «عاد» في وفدها إلى «الحرم» ليستسقي لها، فخير بقاء سبع بقرات سمر من أظب، أو عفر في جبل وعر، لا يمسها القطر، أو بقاء سبعة أنسر، كلما هلك منها نسر، خلف من بعده نسر. فاختار أعمار النسور، فكان آخر نسوره «لبد» . وقد ذكرته الشعراء. قال النابغة: [بسيط]
أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد
وقال «لبيد بن ربيعة العامري» : [بسيط]
لما رأى لبد النّسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
والشعراء تنسبه إلى «عاد» ويقال: إنه عمر ألفى سنة، وأربعمائة ونيفا وخمسين سنة.

وكان أقصى أثر «الرائش» في غزوة الأوّل «الهند» ، ثم غزا بعد ذلك «الترك» ب «أذربيجان» وما يليها، وسبى الذرية. ثم أقبل.
وقد ذكر «الرائش» نبينا- صلّى الله عليه وسلم- في شعر له، ذكر فيه من يملك منهم ومن غيرهم، فقال: [وافر]
ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام
يسمّى أحمدا ياليت أنّى ... أعمّر بعد مخرجه بعام
وكان ملكة مائة سنة، وخمسا وعشرين سنة.

أبرهة بن الرائش:
ثم ملك بعده ابنه «أبرهة بن الرائش» ، وكان يقال له: ذو المنار. لأنه أوّل من ضرب المنار على طريقه في مغازيه، ليهتدى بها إذا رجع. وكان ملكه مائة وثلاثا وثمانين سنة.

إفريقيس  بن أبرهة:
ثم ملك بعده ابنه «إفريقيس بن أبرهة بن الرائش» ، فغزا نحو «المغرب» في أرض «بربر» ، حتى انتهى إلى «طنجة» ونقل البربر من أرض «فلسطين» ، و «مصر» ، والساحل إلى مساكنهم اليوم. وكانت «البربر» بقية من قتل «يوشع بن نون» .
و «إفريقيس» هو الّذي بنى «إفريقية» ، وبه سميت، وكان ملكه مائة وأربعا وستين سنة.

العبد بن أبرهة:
ثم ملك بعده أخوه «العبد بن أبرهة» . وهو ذو: الأذعار. سمى بذلك لأنه كان غزا «بلاد النسناس» ، فقتل منهم مقتله عظيمة ورجع إلى «اليمن» من سبيهم بقوم وجوههم في صدورهم، فذعر الناس منهم، فسمى: ذا الأذعار.
وكان هذا في حياة أبيه، فلما ملك أصابه الفالج، فذهب شقه قبل غزوة. وكان ملكه خمسا وعشرين سنة.

هداد بن شرحبيل:
ثم ملك بعده «هداد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش» ، وهو أبو «بلقيس» صاحبة «سليمان» - عليه السلام. ويقال: إنه نكح امرأة من الجن، فولدت له «بلقيس» ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى هلك، فلما حضرته الوفاة جعل الملك لها بعده.

بلقيس:
فملكت «بلقيس» ، وكانت من أفضل الناس في زمانها، وأعقلهم وأحزمهم، فكان من أمرها وأمر «سليمان» عليه السلام ما قصه الله- عز وجل- علينا في كتابه. ويقال إن «سليمان» تزوّجها، فولدت له «داود بن سليمان» ، ومات في حياة أبيه.
ويقال: بل تزوّجها رجل من المقاول وسرّحها إلى ملكها، وكان يأتى بلدها في كل شهر.
ويقال: إن مدة «سليمان» ، كانت في ملكه أربعين سنة. ويقال:
أربعا وعشرين سنة.
وماتت «بلقيس» بعده بمدة يسيرة.

ياسر بن عمرو:
ثم ملك بعدها: «ياسر بن عمرو» بن يعفر بن عمرو بن شرحبيل. ويعرف «بياسر النعم» ، لإنعامه على الناس. ورد الملك إليهم بعد «سليمان» - عليه السلام.
وكان شديد السلطان، قويا في أمره، وخرج غازيا نحو «المغرب» ، حتى أتى وادي الرمل الجاري، فوجه جيشا في الرمل فهلكوا فيه، ولم يعد منهم أحد، فأمر بصنم نحاس فعمل، وكتب عليه بالمسند: ليس ورائي مذهب. ورجع.
وكان ملكه خمسا وثمانين سنة.

شمر بن إفريقيش:
ثم ملك بعده: «شمر» بن إفريقيش بن أبرهة بن الرائش. وهو الّذي يدعى: «شمر يرعش» ، وذلك لارتعاش كان به. وخرج في جيش عظيم حتى دخل أرض «العراق» ، ثم توجه يريد «الصين» ، فأخذ على طريق «فارس» ، و «سجستان» ، و «خراسان» ، فافتتح «المدائن» . والقلاع، وقتل وسبى، ودخل مدينة «الصغد» ، فهدمها- فسميت «شمركند» - أي:
شمر أخربها. وأعربها الناس، فقالوا: سمرقند-، ثم عاد، وكان ملكه مائة وسبعا وثلاثين سنة.

الأقرن بن شمر:
ثم ملك بعده ابنه «الأقرن بن شمر يرعش» ، فغزا بلاد الروم، وكان أهلها يومئذ يعبدون الأوثان، ووغل فيها حتى بلغ «وادي الياقوت» ، فمات قبل أن يدخله، ودفن هناك. وكان ملكه ثلاثا وخمسين سنة.

تبع بن الأقرن:
ثم ملك بعده ابنه «تبع بن الأقرن بن شمر يرعش» ، وهو «تبع الأكبر» ، وأوّل التبابعة. فأقام عشرين سنة لا يغزو، وأتاه عن «الترك» ما كره، فسار إليهم على جبلي «طيِّئ» ، ثم على «الأنبار» ، وهو الطريق الّذي سلكه «الرائش» ، فلقيهم في حد «أذربيجان» ، فهزمهم، وسبى منهم، ورجع.
ثم غزا «الصين» ، ثم رجع وخلف ب «التبت» جيشا عظيما رابطة، فأعقابهم «بالتبت» يعرفون ذلك.
و «تبع» هذا هو القائل: [كامل]
منع البقاء تقلّب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
تجرى على كبد السماء كما ... يجرى حمام الموت في النّفس
اليوم نعلم  ما يجئ به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وبعض الرواة يذكرون أن هذا الشعر لأسقف «نجران» ، وكان ملكه مائة وثلاثا وستين سنة.

كليكرب بن تبع الأكبر:
ثم ملك بعده «كليكرب بن تبع الأكبر» ، وكان ضعيفا صغير الهمة، لم يغز حتى مات. وكان ملكه خمسا وثلاثين سنة.



تبع بن كليكرب:
ثم ملك بعده ولده «تبع بن كليكرب» ، وهو «أسعد أبو كرب» وهو «تبع» الأوسط، فأكثر الغزو، ولم يدع مسلكا سلكه آباؤه إلا سلكه، وكان يغزو بالنجوم ويسير بها ويمضى أموره بدلالتها. وطالت مدته، واشتدت وطأته، وملّته «حمير» ، وثقل عليهم ما كان يأخذهم به من الغزو، فسألوا ابنه «حسان بن تبع» أن يمالئهم على قتله ويملكوه، فأبى ذلك عليهم فقتلوه، ثم ندموا على قتله، فاختلفوا فيمن يملكون بعده، حتى اضطرتهم الأمور إلى أن يملكوا ابنه «حسانا» ، فملكوه، وأخذوا عليه موثقا ألا يؤاخذهم بما كان منهم في أبيه.
ويقال: إن «تبعا» هذا هو الّذي آمن برسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقال: [متقارب]
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارى النّسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وأنه كسا البيت الأقطاع.
ويقال بل «تبع الآخر» فعل ذلك.
وكان ملك «تبع الأوسط» ثلاثمائة وعشرين سنة.

حسان بن تبع:
ثم ملك ابنه «حسان بن تبع» ، وهو الّذي بعث إلى «جديس» ب «اليمامة» فأبادها، وكانت «طسم» و «جديس» تنزل «اليمامة» ، وكان لها ملك من «طسم» ، قد ساءت سيرته، فوثبت «جديس» على «طسم» ، وهي غارّة، فقتلت منها مقتلة عظيمة، وقتلت ذلك الملك. ومضى رجل من «طسم» إلى «حسان بن تبع» يستصرخه، فوجه «حسان» جيشا إلى «اليمامة» ، واسم «اليمامة» ، يومئذ «جو» وبها امرأة يقال لها: اليمامة، تبصر الركب من مسيرة ثلاثة أيام. وباسمها سميت: جو اليمامة. فلما خافوا أن تبصرهم قطعوا الشجر، وجعل كل رجل منهم بين يديه شجرة، فنظرت «اليمامة» ، فقالت: يا معشر «جديس» ، لقد سار إليكم الشجر، ولقد أتتكم «حمير» . قالوا: ما ذاك؟! قالت: أرى في الشجر رجلا معه كتف يأكلها أو نعل يخصها، فكذبوها. فصبحتهم «حمير» . وأوقعت بهم وقعة أفنتهم إلا يسيرا.
وقد ذكرت الشعراء قصة المرأة، قال الأعشى: [بسيط]
ما نظرت ذات أشفار كما نظرت ... يوما ولا نظر الذئبى إذ سجعا
قالت أرى رجلا في كفّه كتف ... أو يخصف النعل لهفي أية صنعا
فكذّبوها بما قالت فصبّحهم ... ذو آل حسّان يزجى السّم والسّلعا
فاستنزلوا أهل جوّ من مساكنهم ... وهدّموا رافع البنيان فاتضعا
ولم يزل «حسان بن تبع» ، يتجنى على قتلة أبيه، فقتلهم واحدا واحدا، وأخذهم بالغزو، واشتدّ عليهم، فأتوا أخاه «عمرو بن تبع» ، فبايعهم وبايعوه على قتل أخيه، وتمليكه بعده، خلا رجل من أشرافهم، يقال له: ذو رعين، فإنه نهاه عن ذلك، وحذره سوء العاقبة، وأعلم أنه إن فعل ذلك منع منه النوم، فلم يقبل منه، فقتل أخاه «حسانا».


عمرو بن تبع:
وملك «عمرو بن تبع» ، فمنع منه النوم، فشكا ذلك، فقيل له: إن النوم لا يأتيك، أو تقتل قتلة أخيك. فنادى في جميع أهل مملكته: إن الملك يريد أن يعهد عهدا غدا، فاجتمعوا، وأقام لهم الرجال، وقعد في مجلس الملك، ثم أمرهم أن يدخلوا خمسة خمسة، وعشرة عشرة، فإذا دخلوا، عدل بهم فقتلوا، حتى أتى على عامة القوم، وأدخل «ذو رعين» ، فلما رآه أذكره ما كان قال له، وأنشد شعرا له يقول فيه: [وافر]
ألا من يشترى سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
فأمر بتخليته، وأكرمه وقرّبه واختصه. واضطربت عليه أموره، وترك الغزو، فسمى: موثبان، لقعوده- والوثاب: الفراش، أرادوا أنه لزم الفراش.
وفي ملكه تزوّج «عمرو بن حجر الكندي» جد «امرئ القيس» الشاعر، بنت «حسان بن تبع» ، فولدت له: الحارث بن عمرو بن حجر. وكان «عمرو ابن حجر» سيد «كندة» ، وكان يخدم أباها «حسان بن تبع» ، وفي زمانه انتقل «عمرو بن عامر مزيقياء» ، وولده، ومن اتبعه من أرض «اليمن» ، حين أحس ب «سيل العرم» . و «عمرو بن عامر» هو أبو «خزاعة» ، وأبو «الأوس» ، و «الخزرج» ، وكان ملكه ثلاثا وثلاثين سنة.

عبد كلال بن مثوب:
ثم ملك بعده «عبد كلال بن مثوب» ، وكان مؤمنا على دين عيسى- عليه السلام- ويسرّ إيمانه. وكان ملكه أربعا وسبعين سنة.

تبع بن حسان:
ثم ملك بعده «تبع بن حسان بن تبع بن كليكرب بن تبع بن الأقرن» ، وهو «تبع الأصغر» ، آخر «التبابعة» ، وكان مهيبا، فبعث ابن أخته «الحارث بن عمرو بن حجر الكندي» ، وهو جد «امرئ القيس» الشاعر، إلى «معد» ، وملكه عليهم، وسار إلى «الشام» ، وملوكها «غسان» ، فأعطته المقادة، واعتذروا من دخولهم إلى النصرانية، وصاروا إلى ابن أخته «الحارث بن عمرو» ، وهو «بالمشقر» من ناحية «هجر» ، فأتاه قوم كانوا وقعوا إلى «يثرب» ، ممن خرج مع «عمرو بن عامر مزيقياء» ، وخالفوا «اليهود» «بيثرب» ، فشكوا اليهود وذكروا سوء مجاورتهم لهم، ونقضهم الشرط الّذي شرطوه لهم عند نزولهم، ومتوا إليه بالرحم، فأحفظه ذلك، فسار إلى «يثرب» ، ونزل في سفح «أحد» ، وبعث إلى اليهود، فقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلا صبرا، وأراد إخرابها، فقام إليه رجل من اليهود، قد أتت له مائتان وخمسون سنة، فقال له: أيها الملك مثلك لا يقتل على الغضب، ولا يقبل قول الزور، وأمرك أعظم من أن يطير بك نزق، أو يسرع بك لجاج، وإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبيّ من ولد «إسماعيل» يخرج من عند هذه البنية- يعنى البيت الحرام- فكف «تبع» عن ذلك، ومضى يريد «مكة» ، ومعه هذا اليهودي، ورجل آخر من اليهود عالم، وهما الحبران، فأتى «مكة» ، وكسا البيت، وأطعم الناس، وهو القائل: [خفيف]
فكسونا البيت الّذي حرّم الله ... ملاء معضّدا وبرودا
ويقول قوم: إن قائل هذا هو تبع الأوسط. ثم رجع إلى «اليمن» ، ومعه الحبران، وقد دان بدينهما، وآمن «بموسى» وما نزل في التوراة، وبلغ ذلك أهل «اليمن» ، فاختلفوا عليه، وامتنعوا عن متابعته على دينه، فحاكمهم إلى النار، بأن دخلها الحبران وقوم منهم فأحرقتهم، وسلم الحبران والتوراة، فانقادوا له وتابعوه، فبذلك دخلت اليهودية «اليمن» .
و «تبع» هذا هو الّذي عقد الحلف بين «اليمن» و «ربيعة» .
وكان ملكه ثمانيا وسبعين سنة.

مرثد بن عبد كلال:
ثم ملك بعده «مرثد بن عبد كلال» ، وهو أخو «تبع» لأمه، وكان ذا رأى وبأس وجود، وبعده تفرّق ملك «حمير» ، فلم يعد ملكهم «اليمن» ، وأهلها.
وكان ملكه إحدى وأربعين سنة.

وليعة بن مرثد:
ثم ملك بعده ولده: وليعة بن مرثد. وكان عاقلا، حسن التدبير.
وكان ملكه سبعا وثلاثين سنة.
أبرهة بن الصباح:
ثم ملك بعده «أبرهة بن الصباح» . وكان عالما جوادا، وكان يعلم أن الملك كائن في بنى «النضر بن كنانة» ، فكان يكرم «معدا».
وملك ثلاثا وسبعين سنة.
حسان بن عمرو بن تبع:
ثم ملك: «حسان بن عمرو» ، وهو الّذي أتاه «خالد بن جعفر بن كلاب العامري» في أسارى قومه، فأطلقهم. ومدحه «خالد» .
وكان ملكه سبعا وخمسين سنة.
ذو شناتر:
ثم ملك بعده رجل ليس من أهل بيت الملك، ولكنه من أبناء المقاول، يقال له: «ذو شناتر» ، وكان غليظا فظا، قتالا، ولا يسمع بغلام قد نشأ من أبناء الملوك إلا بعث إليه فأفسده، وأنه بعث إلى غلام منهم، يقال له:
«ذو نواس» ، وكانت له ذؤابتان تنوسان على عاتقه، بهما سمى «ذو نواس» فأدخل عليه، ومعه سكين لطيفة، فلما دنا منه، يريده على الفاحشة، شق بطنه، واحتز رأسه.
وكان ملك «ذو شناتر» سبعا وعشرين سنة.
ذو نواس:
ولما بلغ «حمير» ما فعل «ذو نواس» ، قالوا: ما نرى أحدا أحق بالملك ممن أراحنا منه، فملكوا «ذو نواس» ، وهو صاحب الأخدود الّذي ذكره الله تعالى في كتابه، وكان على اليهودية، فبلغه عن أهل «نجران» أنهم قد دخلوا في النصرانية برجل أتاهم من قبل «آل جفنة» - ملوك «غسان» - فعلمهم إياها، فسار إليهم بنفسه حتى عرضهم على أخاديد احتفرها في الأرض، وملأها جمرا، فمن تابعه على دينه خلى عنه، ومن أقام على النصرانية قذفه فيها، حتى أتى بامرأة معها صبي له سبعة أشهر، فقال لها: يا أمة، امضى على دينك- فإنه لا نار بعدها، فرمى بالمرأة وابنها في النار وكف. ومضى رجل من «اليمن» يقال له:
ذو ثعلبان، في البحر إلى ملك «الحبشة» وهو على النصرانية- فخبره بما فعل «ذو نواس» بأهل دينه، فكتب ملك «الحبشة» إلى «قيصر» يعلمه ذلك، ويستأذنه في التوجه إلى «اليمن» ، فكتب إليه يأمره بأن يصير إليها، وأعلمه بأنه سيظهر عليها، وأمره أن يولّى «ذو ثعلبان» أمر قومه، ويقيم فيمن يقيم معه ب «اليمن» . فأقبل ملك «الحبشة» في سبعين ألفا من الرجال، فجمع له «ذو نواس» ، وحاربهم، فهزموه. وقتلوا بشرا كثيرا من أصحابه، ومضى منهزما وهو في أثره حتى أتى البحر، فاقتحم فيه، فغرق هو وبقية أصحابه، وكان آخر العهد به.
ثم قام مكانه «ذو جدن الحميري» ، فقاتلوه وهزموه أيضا، حتى ألجئوه إلى البحر، فاقتحم فيه، فغرق ومن تبعه من أصحابه.
وكان ملك «ذو نواس» ثمانيا وستين سنة.


ابن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ): المعارف 626  إلى 637 - الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة -الطبعة: الثانية، 1992 م)

الجمعة، 9 نوفمبر 2018

من التاريخ الإسلامي: قضية سمرقند


مجلة الرسالة العدد 680

للأستاذ علي الطنطاوي


كانت ليلة ميتة لا يتردد في صدرها نفس من نسيم، ولا تبدو فيها حركة من حياة، عمياء لا تبصر فيها عين من نجم يسطع في السماء، أو مصباح يزهر على الأرض، وقد أوى كل حي في (سمرقند) إلى مضجعه، ونامت المدينة تحت أثقال من الصمت والظلام، ولم يبق متيقظا فيها إلا هذا الرجل الذي خرج من داره، يخوض لجة الليل مارا إلى غايته، ولا يقف ولا يلتفت حتى بلغ قصر الإمارة فألقى عليه نظرة، لو كانت نظرة تحرق لأحرقه الشرر المتطاير منها، ثم أوسع الخطو، وأسرع كأنه يريد أن يجنب نفسه مرأى هذا القصر، وأن يسابق الزمن إلى هدفه الذي يرمي إليه. . . .

وفارق المدينة واحتواه الغاب، وطنت في أذنيه أصوات هوامه وحشراته، وكان الغاب موحشا غارقا في ظلمتين، ظلمته وظلمة الليل. . . ولكن الرجل لم ينتبه إلى وحشته وظلامه، وقد كان له من ضخامة المطلب الذي يسعى إليه وعظم الخطر الذي يقدم عليه، شاغل عن التفكير في ثقل هذه الليلة، وانفراده في الغاب، والخوف من أن تنشق هذه الظلمة المتراكبة حوله عما يؤذي ويروع. . . حتى إذا بلغ الصخرة التي تقوم عند باب المعبد وقف وأحجم، وخالطته هيبة شديدة، ووقر على صدره شئ لم يجد مثله في الغاب الموحش، ولم يكن غلاما تفزعه الأشباح، ولا كان الجبان الرعديد، ولكن ما وضعوه في نفسه وهو صغير من أسرار المعبد وعجائبه، جعله يشب ويكتهل ولا يزال أمامه مثل الطفل الصغير وكان فارس البلد غير مدافع، وبطل المعارك المكفهرة، ولكن المعبد غير الميدان، ولئن واجه في الميدان رجالا مثله، ففي المعبد قوى لا يراها، وخفايا لا تصنع معها شجاعته شيئا. . . ولم يدخله قط، إنما يدخل المعبد هؤلاء النفر من الشيوخ الذين مارسوا من أنواع العبادة والرياضيات ما يجعلهم أهلا لدخوله، ثم لا يخرجون منه أبدا، ولا يجوز لهم أن يعودوا فيروا نور الشمس ولا زهر الروض، وكان يشعر بأن لهؤلاء الكهنة مهابة في قلبه ومحبة، ويحس بالخوف منهم وهو الذي يواجه الأبطال الصناديد، ويقدم على الموت الأكيد غير خائف ولا وجل. وطال وقوفه عند الصخرة وهو يتهيب أن يقرعها بيديه على نحو ما أمروه أن يفعل إذا هو وصل. . . وجعل يحدق في الظلام فرأى كأن شخصا عظيم الهامة له لحية بيضاء عريضة قد نبع من الأرض، ففزع وإرتاع، ولكنه سمع صوتا إنسانيا يناديه باسمه ويدعوه إلى أن يتبعه، فعلم أنه الحارس الموكل بباب المعبد، فلحق به وقلبه يخفق تطلعا إلى ما وراءه من خفايا وأسرار، فأجتاز به سردابا طويلا ملتويا تضيئه مصابيح نحاسية منقوشة، يخرج منها لهيب أزرق يتراقص فيلقى على الجدران الصخرية ظلالا عجيبة، وفي السرداب تماثيل (آلهة) ذات صور بشعة مرعبة، يومض من عينيها ضوء أحمر فيكون لها منظر يخلع قلوب الجبابرة. . . وفي السرداب شقوق يدخل منها الهواء فيصفر صفيرا مخيفا كأنه صوت سرب من البوم. . . ثم دخل به غرفا منقورة في الصخر حتى انتهى به إلى قاعة الكهنة الذين لا يراهم أحد لأنهم لا يخرجون من المعبد، وقل أن يدخلوا أحدا عليهم، والذين كانوا هم حكام البلد وملوكه وأصحاب الكلمة فيه، لا يجرؤ على مخالفة أمرهم أحد إلا حقت عليه لعنة (آلهة. . .) المعبد، ذات الوجه البشع المرعب. . .

لم يستطع الرجل من دهشته أن يدير نظره فيما حوله، أو أن يملأ عينيه من الكهنة ومن كان معهم، وسمع كلاما بنصب في أذنيه بصوت خافت رهيب كأنما هو يسمعه حالما. . . وفهم أن المتكلم يذكر ماضي سمرقند وسالف مجدها، وكيف هبط عليها هؤلاء المسلمون هبوط البلاء، فأزاحوا عرشها، وحطموا جيشها، وحكموا وملكوا أمرها، ثم أفاض في الكلام على الخطة التي اختطها لإفساد أخلاقهم ودينهم، وإضعافهم وإلقاء الخلف بينهم، وكانت خطة شيطانية أرتجف لسماعها، ثم عاد المتكلم فقال:

- غير أنا رأينا أن نرجئ خطتنا، ونرمي أخر سهم في جعبتنا، وذلك أنا سمعنا أن لهؤلاء القوم ملكا عادلا يقيم في دمشق، فأزمعنا أن نرسل إليه رسولا يرفع إليه شكايتنا، ويشرح له مظلمتنا، ثم نرى ما هو فاعل، وقد اخترناك لمعرفتك العربية وجراءة جنانك لتكون أنت الرسول؛ فهل أنت راض؟ قال: نعم. قال: أمض بتوفيق الآلهة. . .!

وخرج وما تسعه من فرط الزهو الأرض، وأحس من الخفة والنشاط أنه سيطير، ورأى ظلام الليل أبيض مضيئا، ولقد اعتدها نعمة كبرى أن دخل المعبد وكلم الكهنة، وكان موضع ثقتهم ونجواهم، وأن أولوه شرف القيام بأضخم مهمة عهدوا بها إلى أحد، وشعر أن حرية قطر سمرقند وشرفه في يمينه، وأنه هو المحامي عنه والمنافح دونه، وكان لفرط شجاعته يتمنى لو كلفوه حرب المسلمين وإخراجهم من بلده، ولم يكن يعرف مبلغ قوتهم، وجلال ملكهم، وأن هذا القطر كله في جنب دولتهم كالساقية التي جاءت تغالب البحر. . . ولو مد البحر وأزبد وهاج لاقتلع الساقية من منبعها فشربها فضاعت فيه فلم يبق لها أثر، فلما شد رحاله وسافر ومضى يقطع الليالي الطوال، والأسابيع والشهور، وهو لا يفتأ يمشي في ظلال الراية الإسلامية المظفرة، لم يلق عصا التسيار ولم يبلغ العاصمة. . . من سمرقند إلى بخارى إلى بلخ إلى هرات إلى قزوين إلى الموصل إلى حلب إلى دمشق. . . دنيا من الخصب والحضارة والمجد، وبلاد كانت ممالك كثيرة ما مملكة منها إلا وهي أعظم وأضخم من سمرقند. . . وما سمرقند في جانب ملك كسرى وخاقان؟ فأين ملك خاقان وكسرى! لقد ابتلعته المدينة المتوارية بين الحرتين وراء رمال الجزيرة، تلك القرية التي هزها محمد بيمينه، فولدت الأبطال الذين انتشروا في آفاق الأرض وملكوها. . . وأنبتت رمالها جنات الشام والعراق وفارس وخراسان. . . وهذه البلاد الخصبة الممرعة التي ليس لها آخر. . . وكان كلما تقدم ورأى جديدا من دنيا الإسلام تمتلئ نفسه فرقا من لقاء الخليفة. . .

وأفاق يوما من ذهوله، بعدما صرم في هذه الرحلة أشهرا، على صوت الدليل، وهو يهتف باسم (دمشق).

هذه دمشق سر الأرض، هذه سدة الدنيا، هنا التقى والعلي والمجد والغنى والجلال والجمال. . . من هنا تخرج الكلمة التي تمضي مطاعة حتى تنتهي إلى بلده سمرقند، وتمضي من هناك حتى تبلغ أرضا أبعد وأنأى، حتى تجوز أسبانيا، هنا يقيم الرجل الذي ملك ما لم يملكه في سالف الدهر قيصر ولا كسرى ولا الإسكندر ولا خاقان. . . والذي لا يجد من جبال الصين إلى بحر الظلمات من يخاف عن أمره، أو يرد قوله. . .

ولكن كيف الوصول إليه؟ وأني لغريب منكر مثله بالدخول عليه؟ وخالط قلبه اليأس. . . فسأل عن خان ينزل فيه فأرشد إلى خان أمضى فيه ليلته، فلما أصبح أخرج ثيابه فلبس أحسنها، وخرج ليلقى الخليفة. . . وأقبل على أول إنسان لقيه يريد أن يسأله عن (القصر)، فاعترته هيبة شديدة، وخاف من مواجهة الرجل الذي يحكم نصف الأرض، والذي لا يبلغ ملك شاهنشاه العظيم ولاية واحدة من ولايته، يحكمها أمير من أمرائه. . . وذكر كيف كانت تتصدع الأفئدة خوفا من لقاء كسرى، وتقف الملوك على بابه، وكيف كان يقتل على الظنة، وأمر بضرب عنق الرجل يقول كلمة لا تعجبه، أو يأتيه في ساعة يكون فيها لقس النفس ضيق الصدر، وتلمس عنقه وتخيله من الفزع مضروبا، وتصور رأسه طائرا عن جسده، فطارت معه حماسته وشجاعته. . . وكره لقاء الخليفة، وفكر في العودة إلى بلده سالما قبل أن يحيق به مصاب لا ينفعه معه مجد يناله، ولا وطن يحرره، ولا كاهن يرضيه. . . وغر في مخاوفه وأفكاره، وجعل يسير على غير هدى، كلما مر على قصر من قصور دمشق، ورأى بهاءه وعظمته ظنه قصر الخليفة، فخفق قلبه واضطرب. . . حتى رأى قصرا ما له في جلاله نظير، له باب هائل، عرضه مثل الشارع العظيم، له قوس مشمخرة عالية، ذات مقرنصات ونقوش، قائمة على أسطوانتين من المرمر الصافي، ورأى الناس يدخلون ويخرجون لا يسأل أحد أحدا، ولا يمنعه حاجب ولا بواب، فأيقن أنه قصر الخليفة، وتشجع وشد من عزمه ودخل يقدم رجلا ويؤخر أخرى. . . فلما لم ير أحدا قد منعه سكنت نفسه، ونظر فإذا هو في صحن واسع، إذا كنت في طرفه لا تستطيع أن تتبين من هو في الطرف الآخر، قد فرشت أرضه بناصع الرخام فهو يلمع كالمرايا، والناس يجلسون عليه، وحوله جدران عالية، ما رأى قط بناء أرفع منها، وهي مزخرفة بأعجب الزخارف والنقوش، وفي وسط الصحن بركة واسعة يتفجر منها الماء، فيضربه شعاع الشمس فيكون له منظر عجيب. . . ونفذ من الصحن إلى قاعة لا تقل عنه سعة، ولا يدانيها بهاء وجمالا، قد قام سقفها على أساطين الرخام، تحمل أقواسا فوقها أعمدة أصغر منها، فوقها أنحاء وطاقات معقودة، تتدلى من السقف سلاسل الذهب والفضة تحمل المصابيح والثريات، وجعل يمشي خلال الناس ذاهلا، لا يدري ماذا يصنع فأصطدم برجل كان يقوم ويقعد ويذكر اسم الله. . . وتلفت الرجل إلى اليمين وإلى الشمال، ونظر إليه فرآه غريبا، فسأله عن حاله، فسبق لسانه إلى الحقيقة فأخبره أنه جاء من بلده يريد لقاء الخليفة، ثم تنبه وقدر أن الرجل سيرتاع لذكر الخليفة بلا تعظيم ولا تبجيل، وأنه سيدفعه إلى الشرطي فيستاقه إلى السجن. . . فرأى الرجل ساكنا هادئا كأنه لم يسمع نكرا، وسمعه يقول له:

أتحب أن أدلك على داره؟

قال: أو ليست هذه داره؟

قال الرجل مبتسما: لا هذا بيت الله، هذا المسجد، أصليت؟

صلى؟ وكيف يصلي وهو على دين سمرقند، ذلك الدين الذي لا يعرف منه إلا هذا المعبد المملوء بالأسرار، وتلك الآلهة المخيفة ذات الوجه البشع المرعب. . . وجعل يفكر: أين هذا المعبد من معبده المختبئ في بطن الصخر، وأين هذا النور وهذا الجمال، من تلك الظلمة وذلك القبح؟ وشك لأول مرة في عمره في دينه الذي نشأ عليه!

وأعاد الرجل سؤاله. فقال له لا لم أصل، ولا أعرف ما الصلاة. . .

- قال: وما دينك؟

- قال: أنا على دين كهنة سمرقند؟ قال: وما دينهم؟

- قال: لا أدري!

- قال: من ربك؟

- قال: آلهة المعبد المرعبة. . .

- قال الرجل: وهل تعطيك إن سألتها؟ وهل تشفيك إن مرضت؟

- قال: لا أدري. . .

ورآه الرجل ضالا جاهلا، فألقى في هذا القلب الخالي أصول الدين الحق بوضوحها واختصارها وجمالها، فلم تكن إلا ساعة حتى صار رسول كهنة سمرقند مؤمنا بلله ورسوله محمد الذي جعل الله به العرب سادة الدنيا، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. . .

ثم قال الرجل قم الآن أدلك على دار الخليفة، وإن كانت هذه هي الساعة التي يعالج شأنه فيها وشأن عياله، وينفرد بنفسه.

وتبعه وهو يفكر في جمال هذا الدين وسموه، وقد زالت الغشاوة عن عينيه فأدرك الآن سر هذا الفتوح وهذه القوة التي لم يقم لها شئ. أين هذه الديانة السافرة الواضحة التي تجعل كل واحد من أتباعها كاهنا لها ورجل دين. . . من تلك الديانة المجهولة الخفية. . . أين. . .

وخرج من المسجد، من باب غير الذي دخل منه، فما راعه إلا الرجل يقول له، مشيرا إلى باب من ألواح الخشب، غير مصبوغة ولا منقوشة: هذه داره!

هذه؟! أيمكن أن تكون دار الخليفة دون دور السوقة من رعيته، وقد مر عليها فرأى فيها بهاء وجلالا؟ ونظر إلى الرجل يحسبه يسخر منه فرآه جادا، فتركه وتقدم من الباب وهوشاك فيما قال الرجل، ونظر فرأى كهلا قائما يصلح بالطين جدار المنزل وامرأة تعجن. . . فترك الباب ولحق بالرجل مغيظا محنقا فقال له:

ما كان لك أن تكذب علي وتسخر مني، أسألك عن دار الخليفة فترشدني إلى دار طيان؟

قال: ومن الطيان؟

قال: صاحب الدار.

ووصف له ما رأى.

قال الرجل: ويحك هذا والله أمير المؤمنين الذي ليس فوقه إلا الله. وهذه المرأة، ألا تدري من هذه المرأة؟ هذه زوجة الخليفة عمر وبنت الخليفة عبد الملك، وأخت الخليفتين الوليد وسليمان، وأخت هشام ويزيد وسيكونان خليفتين، هذه أمجد امرأة في العرب، ولقد كان أمير المؤمنين أرفه الناس عيشا، وأكثرهم طيبا، ولكنه كان رجل فيه عرق عمر بن الخطاب فنزع به عرقه من عمر إلى ما ترى، فعد إليه فأقرع بابه وأنفض إليه شكاتك، ولا تخف، فوالله ما هو بالملك المتكبر ولا الحاكم الجبار، ولكنه عند الله متواضع هين لين، فإذا رأى الحق أمضاه فلم يقف دونه شئ، وإذا غضب لله كانت العواصف والصواعق دون غضبه قوة ونفاذا. . . فأذهب موفقا.




(البقية في العدد القادم)



مجلة الرسالة العدد 681


من التاريخ الإسلامي
قضية سمرقند
للأستاذ علي الطنطاوي
(تتمة ما نشر في العدد الماضي)

مضى السمرقندي نحو دار الخليفة يتعثر في مشيته، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، تتقد نار الحماسة في نفسه فيخطو، ثم تعصف بها رياح الشك فيقف، وكان يطربه الخيال إلى ملوك بلده، فيتصور تلك الحجب على القصور، وأولئك الحجاب على الأبواب، والسيوف المسلطة والرماح المشرعة، ثم يبصر هذه الدار. . . وهذا الذي قالوا إنه أمير المؤمنين، فيزداد به الشك. . . إنه يعرف السلطان الذي يحكم بالبطش، والرعية التي تطيع بالخوف، أما سلطان العدل وطاعة الجب، فشيء لم يعرفه في بلده!
واستقر في نفسه أن الرجل يسخر به، فعدا وراءه حتى لحقه وقال له:
- ناشدتك الله أيها الرجل، هل هذه الدار هي دار أمير المؤمنين؟
- قال: نعم والله إنها لهي داره. . . هذه دار الرجل الذي أورثته سيوف قومه تيجان الملوك الأربعة: كسرى وقيصر وفرعون وخاقان، فكانت هامته أرفع من أن ببلغها تاج منها، فما سمت إليها إلا (العمامة) تاج العرب. . . هذه دار الرجل الذي جبيت إليه ثمرات الأرض، فكال الذهب كيلا، وأعطاه لمستحقه باليدين، ومنح الفقراء الجوهر، وقسم في المحتاجين الدرر، وبقى هو وأسرته بغير شيء. . . لأن نفسه أكبر من أن يملأها كل ما في الدنيا من ذهب وجوهر، إنها أكبر من الدنيا، فلذلك حقرتها وطمحت إلى ما هو أعظم منها: إلى الجنة!!
وما هجر الحياة ومناعمها ليأوي إلى غار في جبل فيعتزل الناس، أو إلى مسجد فيناجى الله، إذن لزاد العباد واحداً، ولما كان في ذلك حديث يروى، ولا عجب يؤثر، ولكنه زهد في الدنيا وهو رجل الدنيا وواحدها، وإليه أمرها، وبيده بعد القدر صلاحها وفسادها، فهو في اللجة ولا يبتل، وهو (في اللهب ولا يحترق)، هو زاهد ولكن في رأسه عقل حكيم، وفي صدره قلب بطل، وفي فيه لسان أديب، فهو يدير بعقله هذا الملك الواسع، بقضائه وماليته وداخليته وخارجيته، وسلمه وحربه، وهو القائد وهو المفتى وهو المعلم. . . أداره أحسن إدارة وأقومها، فاستقر الأمن، ونامت الثورات، وقعد القائمون بالمعارضة، وسكت الناقمون على بني أمية، وتصافى الشيعي والخارجي، والمصري واليماني، والأسود والأحمر، واصطحب في البرية الذئب والحمل. . . وهو يواجه بقلبه أحداث الدهر، فترتد عنه الأحداث ارتداد الموج عن صخر الشاطئ، وهو يصوغ ببيانه الحكمة العليا أدباً خالداً. . .
سمع غداة بويع بالخلافة مكرها، هدة ارتجت منها الأرض، وكان منصرفًا من دفن أمير المؤمنين سليمان فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة قربت إليك لتركبها، بالسروج المحلاة بالذهب، المرصعة بالجوهر، فقال: ما لي ومالها؟ نحوها عني وقربوا لي بغلتي، وأمر بها أن تباع ويدخل ثمنها بيت مال المسلمين، فقربت إليه بغلته. فركبها، وجاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال له: تنح عني، مالي ومالك؟ إنما أنا رجل من المسلمين.
ومشى بين الناس، راكبا على بغلته، بلا موكب ولا حرية ولا راية ولا طبل. الرجل الذي يحكم الأندلس ومراكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر والحجاز ونجدا واليمن وسورية وفلسطين والأردن ولبنان والعراق والعجم وأرمينية والأفغان وبخارى والسند وسمرقند. . . مشى ومشى الناس بين يديه حتى دخل المسجد، فقام على المنبر، فقال:
أيها الناس: إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأى كان مني فيه، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، أني قد خلعت بيعتي من أعناقكم، فاختاروا لأنفسكم.
فصاح الناس صيحة واحدة: إننا اخترناك ورضينا بك.
ومشى إلى الخضراء، وما الخضراء؟ جنة الأرض التي حشر إليها كل ما في الأرض من كنوز وطرف، القصر الذي أزرت عظمته بالخورنق والسدير وغمدان والإيوان، فأمر بستورها فأنزلت، وببسطها ونمارقها فطويت، وبطرفها وكنوزها فحملت، وأمر ببيع ذلك كله ووضع ثمنه في بيت المال، وأم داره هذه.
فقال الناس: إنه رجل صالح، ولكن الملك له أهل. إن الملك لا يقيمه إلا قوى أمين ابن دنيا. . .
ظنوه أم داره يقبع فيها يسبح ويهلل، فإذا به يحد قلمه ويعد قراطيسه ويكتب من فوره بيده، إلى أقاليم الأرض، منشورا فيه الدستور الذي لا يقوم إلا به الملك، وينفذ الكتب من ساعته. فعلموا أن خليفتهم زاهد في الدنيا، ولكنه ابنها وأبوها. . .
فعل ذلك كله من الصباح إلى الضحى، ثم ذهب يقيل، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، ماذا تريد أن تصنع؟ قال: أي بني أقيل. قال: تقيل ولا ترد المظالم؟ قال: أي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، وإني إذا صليت الظهر رددت المظالم. قال: يا أمير المؤمنين، من لك أن تعيش إلى الظهر؟ فترك مقيله، وخرج فبعث مناديه ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فاني منصفه من نفسي ومن آل بيتي ومن الناس أجمعين. . . ولقد والله فعل أكثر مما قال!
نعم يا أيها الغريب، هذه دار أمير المؤمنين، فلا يغررك صغرها وضيقها، وعطل أبوابها من الزخرف وجدرانها، وأنه لا حاجب عليها ولا جند ببابها، فإن هذه الدار أكرم من كل قصر حملته على ظهرها هذه الأرض، فامش إليها ولا تخف!
فعاد السمرقندي، فلما دنا من الدار سمع ضجة ورأى ولدين قد شج أحدهما الآخر شجة منكرة، ورأى الخليفة يخرج بنفسه فيأخذ الولدين، فيراه، فيسأله، فيقول: إني متظلم يا أمير المؤمنين فيقول له: مكانك حتى أعود إليك. ويدخل بالغلامين ويسمع السمرقندي صوت امرأة تصرخ، (أبني) فيعلم أنها أم الولد المشجوج، وتدخل الدار مريئة. فترى الولد الآخر، فتقول ابني.
ويسمع القصة فيعلم أن ابن أمير المؤمنين قد خرج يلعب مع الغلمان فشجه ابن هذه المرأة. وتقول المرأة: ارحموه، إنه يتيم فقير. ويرق قلب السمرقندي ويشفق على هذه المرأة أن تضرب عنق ابنها أمامها، وهو طفل لا ذنب له ولا يسأل عن فعلته، وإذا بأمير المؤمنين يقول لها: أما له من عطاء؟ فتقول: لا. فيقول: سنكتبه في الذرية.
وتخرج المرأة شاكرة داعية، ويسمع السمرقندي فاطمة بنت عبد الملك تقول مغضبة: فعل الله به إن لم يشجه مرة أخرى فيقول الخليفة: إنكم أفزعتموه.
وخرج الخليفة فدعاه، فسأله عن حاله، فشكا إليه قتيبة، وأنه دخل سمرقند غدرا من غير دعوة إلى الإسلام ولا منابذة ولا إعلان.
فقال الخليفة: والله ما أمرنا نبينا بالظلم ولا أجازه لنا، وأن الله أوجب علينا العدل في المسلمين، يا غلام. . . قلما وقرطاسا!
فجاءه الغلام بورقة قدر إصبعين، فكتب عليها أسطرا وختمها وقال له: خذها إلى عامل البلد!
ورجع يطوي هذه الشقة مرة ثانية، وكلما وصل إلى بلد دخل المسجد فوقف في الصف كتفه إلى كتف أخ له في الإسلام، ووجهته وجهته، وفي قلبه إيمانه، وعلى لسانه تسبيحاته وتكبيراته. . . أحس أنه عضو في هذه الجمعية الكبرى، وأدرك عظمة هذا الدين وحلاوته، إذ يؤم المصلين واحد منهم فلا قساوسة ولا كهان، ويصلون في كل أرض فلا معابد ولا تماثيل، ويقفون جميعا صفا واحدا فلا كبير ولا صغير، ولا مأمور ولا أمير، وشعر بعظم هذه الدائرة التي تطيف من حول الكعبة تمر على السهل والحزن، والعامر والغامر، والمدينة والقرية، يقوم فيها عباد الله، هم رهبان في الليل وجن في النهار، خاشعة قلوبهم وأبصارهم وجوارحهم، يقفون أمام رب العالمين، فلا يبالون الدنيا كلها بلذائذها وآلامها وخيرها وشرها!
ولم تثقل عليه هذه المرة سعة دنيا الإسلام لأنها دنياه، ولم يجد لهذه السفرة مشقة ولا تعباً، لأنه كان كلما انقضت الصلاة وجد في المسجد (في كل بلد يمر عليه) من يسأله عن حاله، فإذا علم أنه غريب أنزله داره، وقدم له قراه، ومنحه عونه، فكان يقابل بين مجيئه كافرا وبين عودته مسلما، وكيف كان يشعر بطول الشقة، وبعد الطريق، وألم الغربة، فصار يتقلب في النعيم، ويحمل على أكف الأخوان، فيدرك سر المسجد وجمال هذا الدين.
ووصل إلى المعبد، ولكنها لم ترعه هذه المرة تماثيله ولا مصابيحه، ولم يمتلئ قلبه فرقا من أسراره وخفاياه، فقد أضاء له الإسلام ظلمة الحياة فرأى حقائقها من أوهامها، وعلم أن هذه الأصنام التي نحتوها بأيديهم وسموها آلهة، لا تنفع ولا تضر، ولا تمنع عن نفسها ضربة الفأس ولا لهب النار، ولكنه كتم إسلامه، وقرع الباب قرعة السر، ففتح له ورآه الكهنة بعد أن حسبوا أنهم لن يروه أبدا، ووصف لهم ما رأى، فكادت أعينهم تخرج من حناجرهم دهشة. . . وأيقنوا أن قد جاءهم الفرج، وأمروه فحمل الكتاب مختوما إلى العامل، فإذا فيه أمر الخليفة بأن ينصب قاض يحتكم إليه كهنة سمرقند وقتيبة، فما قضى به نفذ قضاؤه!
وأطاع العامل ونصب لهم قاضيا جميع بن حاضر الباجي، رعين موعد المحاكمة!
ولما عاد فأخبر الكاهن الأكبر، أظلم وجهه بعد إشراقه، كما تربد في سماء النهار الصحو السحب السود، وخبا ضياء الأمل الذي بدا له فحسبه فجرا صادقا فإذا هو برق خلب. . . وأيقن أن هذه المحاكمة فصل جديد من كتاب غدر المسلمين. . .
. . . وجاء اليوم الموعود، واحتشد أهل سمرقند من كل قاص منها ودان، وجاء الكهنة الذين كانوا محتجين لا يراهم من أحد، وجاء القائد الفاتح قتيبة، وكانت المحكمة في المسجد فقعدوا ينتظرون القاضي.
ولم يكن الكهنة يأملون في شيء. . . وفيم يأملون؟ في أن يحكم لهم القاضي المسلم بطرد المسلمين من سمرقند؟ يحكم لهم هم المغلوبين على أمرهم، المخالفين للقاضي في دينه، الذين لم يبق لهم حول ولا طول؟ وعلى من يحكم؟ على القائد المظفر الفاتح الذي لم يطأ أرض المشرق قائد أعظم منه، ولا أكثر ظفراً، ولا أعظم فتحا، اسكندر العرب: قتيبة؟
كانت القلوب تخفق ارتقابًا لأعجب محاكمة سمعت بها أذنا التاريخ، وكانت الأبصار شاخصة إلى باب المسجد الذي يدخل منه القاضي الفرد الذي وضعت في عنقه أعظم أمانة وضعت في عنق قاض، والذي ألقى بين حجري الرحى، فها هنا مصلحة أمته، وسيادة دولته، والبلد العظيم الذي خفقت فوقه راية الإسلام وامتلكه أهله، وهناك الحق والشرف. وإنها لمزلة أقدام القضاة وإنها لمحنة الضمائر. . .
وكان صاحبنا السمرقندي يقرأ الشك والارتياب في وجوه أهل بلده وفي أوجه الكهنة، كما يقرأ المرء في صحيفة منشورة أمامه. أما هو، وأما المسلمون فلم يكونوا يشكون، ولم تكن تداخلهم ريبة في أن الحق والشرف فوق مصلحة الوطن، وما الوطن؟ إن وطن المسلم دينه فحيثما صاح المؤذن: الله أكبر، فثمة وطنه. . . وأن جهاده للحق، فإن جاء الحق زهق معه كل باطل ولو كان فيه نفع الأمة، وكان فيه الغنم الأكبر.
ونظروا فإذا رجل له هيئة الأعراب، هزيل ضئيل الجسم شاحب اللون، قد لاث على رأسه عمامة له، ووراءه غلام، فجاء حتى قعد على الأرض محتبيا، وقام غلامه على رأسه. أهذا هو الرجل الذي أتى ليحكم على قتيبة العظيم وعلى أميره وعلى مصلحة دولته؟ أهذا هو قاضي المسلمين؟ وانطفأت آخر شعاعة من الأمل في نفوس الكهنة. ونادى الغلام، باسم قتيبة بن مسلم، هكذا بلا إمارة ولا لقب، فجاء حتى جلس بين يديه، ونادى باسم كبير الكهنة فأجلسه إلى جانبه.
وابتدأت المحاكمة. . .
وتكلم القاضي فإذا صوته يخرج خافتا ضعيفا فقال للكاهن:
- ما تقول؟
- قال: إن القائد المبجل قتيبة بن مسلم قد دخل بلدنا غدرا من غير منابذة ولا دعوة إلى الإسلام:
- قال القاضي لقتيبة: ما تقول؟
- قال: أصلح الله القاضي، إن الحرب خدعة، وهذا بلد عظيم قد أنقذه الله بنا من الكفر، وأورثه المسلمين.
- قال أدعوت أهله إلى الإسلام، ثم إلى الجزية، ثم إلى القتال؟
- قال: لا.
- قال: إنك قد أقررت، وأن الله ما نصر هذه الأمة إلا باتباع الدين واجتناب الغدر. وإنا والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهادا في سبيل الله. ما خرجنا لنملك الأرض ولا لنعلو فيها بغير الحق. حكمت بأن يخرج المسلمون من البلد، ويردوه إلى أهله، ثم يدعوهم وينابذوهم ويعلنوا الحرب عليهم.
ورأى الكهنة وأهل سمرقند وسمعوا، ولكنهم كذبوا عيونهم وآذانهم أنهم في حلم، ولبثوا شاخصين، حتى أن أكثرهم لم يلحظ أن المحاكمة قد انتهت وأن القاضي والقائد قد انصرفا، وجعل صاحبنا السمرقندي المسلم ينظر في وجه الكاهن الأكبر، فيحس أن نور الحق قد أشرق على قلبه الذي رققته العزلة والتأمل، وكان الكاهن ينظر إلى عالمه الذي طالما أحبه وآثره فيراه عالما ضيقا مقفرا، وينظر إلى دنيا الإسلام فإذا هي خصبة واسعة مزهرة بالخير والعدل والجمال، وما عالمه؟ فجوة معتمة وسط الصخر الأصم لا يبلغها شعاع الشمس ولا ضياء القمر ولا زهر الربيع ولا جمال المجد ولا جلال الإيمان. . .
وسطع النور في قلبه فرأى أن ديانته كهذا المعبد، فأين هذا المعبد من معبد الإسلام، وهو الأرض الطهور التي تمتد حتى تصل إلى بلاد ما سمع بها. . . أين ضيقه من سعتها، أين ظلمته من نورها، أين سقفه الواطى من سمائها العالية. .؟ إنه الحد في دينه وخرج من المعبد وقد حرم عليه الخروج منه فلن يعود إليه أبدا. أيعود الجنين إلى بطن أمه بعدما رأى بياض النهار ورحب الكون؟ أيعبد مرة ثانية تلك الآلهة ذوات الوجه البشع المخيف بعد ما عرف رب الأرباب وخالق كل شيء. . .
لا. لقد ماتت ديانة المعبد ومرت أيامها، فهل لما مر مآب، هل يعود أمس الغابر؟
وإنه لفي تفكيره، وإذا الجو يموج بصليل الأبواق ويرتجف من إرعاد الطبول، ونظر فإذا الرايات تلوح على حواشي الأفق القريب فسأل: ما هذا؟ قالوا: لقد نفذ الحكم وانسحب الجيش.
هذا الجيش الذي لم يقف في وجهه شيء من مدينة يثرب إلى سمرقند، والذي اكتسح جيوش كسرى وقيصر وخاقان ردته كلمة من شيخ هزيل خافت الصوت، ليس معه إلا غلام بعد محاكمة لم تستمر إلا دقائق، ولكنه سينذر وسيعود إلى القتال، أفتقوى سمرقند على ما عجزت عنه الممالك كلها؟ أترد صخور هذا المعبد سيل الحق الدافق، وتأكل ظلمته نور الإسلام؟
لا. لقد قضى الله أن يمحو الفجر سدفة الليل. لقد أطل على العالم يوم جديد، فلن نتوارى من نور هذا اليوم في ظلمة المعبد.
وأقبل يسأل أصحابه: ماذا تقولون؟
فيقول السمرقندي المسلم: أما أنا فلقد شهدت أنه لا إله إلا الله، وأم محمداً عبده ورسوله.
فيقول الكاهن: وأنا أشهد.
وتتزلزل سمرقند بالتكبير. . . ويعود الجيش المسلم إلى البلد المسلم، لم يبق حاكم ولا محكوم، صار الجميع إخوانا في الله!.

علي الطنطاوي

مشروع الكتابة في الصين


عباس محمود العقاد

جريدة الأخبار
١٦ يوليو ١٩٥٦

تكاملت في هذا الأسبوع أعداد المجلات التي عنيت بمشروع الإصلاح الكتابي في الصين، وهو المشروع الذي يعمل أصحابه على استبدال الحروف الأبجدية بالأشكال الرمزية التي تعد بعشرات الألوف.

ويظهر من هذا المشروع أن النطق الصيني يقارب النطق العربي في مخارج الحروف؛ لأنه يستثني حرف الفاء الثقيلة V التي لا وجود لها في لغتنا، ويزيد على الزاي والسين حرفين يقاربان الظاء والصاد.

ولعلنا — لو اقتصدنا قليلًا في التشهير بحروفنا العربية — كنا خلقاء أن نرشح «أبجديتنا» لاستبدال تلك الأشكال الرمزية بها.

ولعلنا نستطيع الآن أن نقتصد قليلًا في هذا اللفظ الذي نسمعه عن المقارنة بين إصلاح الكتابة الصينية وإصلاح الكتابة في لغة الضاد. فإننا قد تخطينا قبل ثلاثين قرنًا هذا الدور الذي يحاول الصينيون أن يتخطَّوْه، ليتنقلوا من كتابة أصعب من الهيروغليفية إلى الكتابة بالحروف.

وما أعجب الزمن في قانون التقدُّم والتأخُّر الذي يُجرِيه على الشعوب … إن هذا «التأخر» في الكتابة عند الصينيين له علَّة من علل «التقدُّم السريع» وهي ظهور المطبعة بينهم، ولكن قبل الأوان.

فالمطبعة هي التي حفظت نقوش الكتابة قبل أن تتطور مع الزمن من الهيروغليفية إلى الرمزية إلى المقطعية إلى الحرفية، فكان في هذا الحفظ ضياع ثلاثين أو أربعين قرنًا من العصر السابق لعصر الكتابة عندنا إلى هذا القرن العشرين.

اللهم نسألك تقدُّمًا في الأوان … لا قبل الأوان ولا بعد الأوان.

موقع هنداوي

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

اللغة العربية وتدريسها في بعض جامعات الصين



العدد 300 - بتاريخ: 03 - 04 - 1939



ورد من (هونغ كونغ) عاصمة الصين المؤقتة، أن وزارة التربية والتعليم هناك قررت تدريس اللغة العربية والثقافة الإسلامية في ثلاث من جامعاتها ابتداء من العام الدراسي المقبل، واختارت لهذا الغرض ثلاثة من أعضاء البعثة الصينية بالأزهر الشريف، هم: السيد محمد مكين والسيد عبد الرحمن ناجون والسيد بدر الدين هاي ويليانغ.


وسيتولى الأول تدريس اللغة العربية والثقافة الإسلامية في الجامعة المركزية بهونغ كونغ، والثاني في جامعة يونان بكوتمينغ حاضرة مقاطعة يونان، والثالث في جامعة شمال الصين الغربي بخانغ شونغ في مقاطعة شينسي.


ونذكر لهذه المناسبة أن السيد ناجون نال شهادة العالمية من الأزهر الشريف عام 1936م، ونالها السيد هاي ويليانغ عام 1937م، أما السيد مكين فقد نال شهادة الأهلية من الأزهر عام 1935م وسيتقدم لنيل إجازة التدريس من دار العلوم في الصيف القادم.


مجلة الرسالة

إصلاح التعليم في الصين



العدد 31 - بتاريخ: 1 - 8 - 1908

كتب أحد الباحثين من الأوروبيين رسالة في معنى نهضة الصين إلى إصلاح التعليم القديم عندها فقال أن هذه المملكة كانت لها طريقة تامة في التعليم منذ القرن الرابع والعشرين قبل التاريخ المسيحي على عهد حكم ملوك هيا فكان لكل أسرة قاعة للدرس ولكل كورة كتاب ولكل مقاطعة مدرسة فيمتحن المتعلمون كل سنة ويرتقي الأكفاء إلى مناصب الحكومة وفي القرن الثامن قبل المسيح بطلت طريقة إعطاء الوظائف بالاستحقاق العلمي وأصبحت وراثية إلا أن كنفوشيوس حكيم تلك الأمة جاء في القرن التالي وأحيا معالم التعليم على الأصول القديمة ونظمها فأحسن تنظيمها حتى أصبحت بعده محترمة في أقطار المملكة وما زالت تعاليمه معمولاً بها وتختلف لضعف أنصارها وقوتهم في بعض القرون وبقوة البوذية والتاوستية حتى كانت سنة 1904م فأصدر الإمبراطور أمره بإلغاء الأوامر القديمة الصادرة بشأن التعليم التقليدي وبذلك ألغى نظاماً اجتماعياً جرت عليه أمته منذ خمسة وأربعين قرناً.


وقد شعرت الصين منذ حروبها الأولى مع أوروبا بقلة التعليم في موظفيها وتبين للبلاط الإمبراطوري أن ذلك كان السبب الرئيسي في ضعف المملكة ولذلك عزم الإمبراطور منذ سنة 1898م أن لا يمنح الوظائف إلا لمن اطلعوا على العلوم الحديثة الأوروبية فأصدر أمره بإنشاء مدارس على الطراز الحديث وإقامة كلية في بكين على مثال كليات أوروبا وفي سنة 1906م ألف نظارة معارف عمومية وكان من أثر ذلك أن توفرت العناية بتعليم البنات وكانت النساء من قبل مقصورات في بيوتهن معتبرات في نظر الصينيين أحط من الرجال وأهم ما يعلمنه في المدارس الكثيرة التي أنشئت لتخريجهن الأخلاق والمالية وأعمال البيوت والرياضيات الجسدية ويمنعن من تضييق أرجلهن منعاً قطعياً.


وكثر عدد المدارس الخاصة والعامة التي أنشئت مؤخراً لتعليم الفنون المختلفة كالفصاحة والملاحة وعمل الخطوط الحديدية والبحرية والشرطة وعلم التربية واللغات الأجنبية.
وساعد الأدباء والعلماء والصحافيون على خدمة أفكار الحكومة في هذا الشأن وأخذوا يؤلفون الكتب والمعاجم ويترجمون من لغات أوروبا كل مفيد لكيانهم وأخذت الحكومة والأهالي يحاولون إيجاد الأموال لهذه المشاريع ومن جملة الذرائع التي عمدوا إليها ضربهم الضرائب على محال تناول الشاي لتصرف في سبيل تعليم الأمة.
وقد خطر على الأساتذة أن يهينوا التعاليم القديمة فجاء في لوائح المدارس بهذا الصدد إن للنظام الاجتماعي والسياسي في ممالك أوروبا وأميركا واليابان صيغة خاصة به كما أ، إدارة الصين وأخلاقها لها صفة خاصة بنا فعلى كل أستاذ صيني أن لا يتفوه بكلام يعد مروقاً وكفراً ليدك بما يثبت من أفكاره بناء الصين الاجتماعي والسياسي فإذا انتقد الفضائل الأصلية والصلات العامة مع الفلسفة المشهورة (فلسفة علماء الأدب وكنفوشيوس) يحقق أمره فإذا ثبتت إدانته يحكم عليه بحسب ذنبه وحظر على التلاميذ أن يشتغلوا بالأمور السياسية ويعقدوا اجتماعات وينشروا جرائد.


ولا يخطرن على بال أحد أن التعاليم القديمة سقطت في الصين بالمرة بل بالعكس زادت العناية بها على قدر العناية بالعلوم الغربية الجديدة ولا تأتي سنة 1900م حتى ينتظم أساس الإصلاح الذي وضعته مملكة ابن السماء وهي تأخذ العلم الآن عن أربع دول اليابان والولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا ولكن اليابان أقدموا على تعليم الصينيين إقداماً غريباً وفتحوا لهم المدارس في عاصمتهم بكين بالذات وغيرها من الحواضر وكل يوم يزداد عدد الطالبين والطالبات من الصينيين الذين يأتون كليات اليابان ويدرسون فيها كما أن المعلمات اليابانيات والمعلمين اليابانيين يفدون بالعشرات على المملكة السماوية ولا سيما على جنوبها.

مجلة المقتبس

أوربا والصين



21 ربيع الثاني - 1318هـ
17 أغسطس - 1900م
الكاتب: محمد رشيد رضا
__________
الأخبار التاريخية


(أوربا والصين)


ثارت طائفة من الصين تسمى البوكسر على الأوربيين فاغتالت بعض المرسلين ثم سفير ألمانيا فاتحدت الدول الأوربية العظمى ذوات الأطماع في الصين مع دولة اليابان وألفوا جيشًا مختلطًا للتنكيل بالصين لا سيما بعد ما علموا أن البوكسر حصروا سفراء الدول كلهم في بكين وأشيع أنهم قتلوهم ولم يتحقق ذلك.

وقد استولت الجيوش المتحدة على مدينة تيان تسين الصينية وهي عازمة على الزحف على بكين عاصمة الصين ولكنها تخشى منه قتل السفراء واستئصال الأوربيين وقد انضوت جمهورية الولايات المتحدة إلى أوربا في أمر الصين ويقال أن الفوغفور (إمبراطور الصين) الذي يعتبر البوكسر ثائرين عليه عابثين بسلطته طلب من الولايات المتحدة أن تسوي بينه وبين أوربا، والله أعلم بما سينتهي إليه هذا الأمر العظيم.