بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 24 مايو 2017

نظم فارس أفندي الخوري في تاريخ الحرب بين الروس واليابان

المحرم - 1325هـ
مارس - 1907م

الكاتب: محمد رشيد رضا

تقريظ المطبوعات

(وقائع الحرب)

نظم فارس أفندي الخوري أحد كتاب الشام وشعرائها المشهورين أربع قصائد في تاريخ الحرب بين الروس واليابان؛ التي كان مبدأها أوائل فبراير (شباط) سنة 1904 ونهايتها في أوائل سبتمبر (أيلول) سنة 1905.
وأهداها إلى صديقه الدكتور حسين أفندي حيدر فطبعها هذا طبعًا متقنًا بمطبعة الأخبار بمصر، وهي تباع بمكتبة المنار بشارع درب الجماميز بقرشين صحيحين.

وإننا نورد بعض الفصول من هذه القصائد؛ لما فيها من الفائدة والعبرة في ثوب الفكاهة والتسلية؛ ومنها يعلم القارئ درجة الناظم في القدرة على نظم الوقائع وضبطها مع الإنصاف، والأمانة في النقل، وتحري تنبيه الذهن وإنارة العقل، قال في القصيدة الأولى وهو الفصل 5، 6، 7 (وما في الهوامش من تفسير بعض الكلم منقول من الأصل؛ إذ وضع في آخره جدول لذلك) .

(نكبة الروس بغرق الأميرال مكروف على الدارعة بتروبالسك في 13 نيسان سنة 1904)
سعى طوغو على مكروف يوم الـ ... ـلقا، وأعد تدبيرًا مريرا
أقام له الفخاخ بكل وجه ... يؤججه بها نارًا حرورا
وناصبه بعرض البحر حربًا ... فكر عليه لا يخشى نكيرا
أثارته الشهامة عن عرين ... ويأبى الليث إلا أن يثورا
فقاتله وناضله بقلب ... يريه كل معتاص يسيرا
ولكن قلما عدد قليل ... يفوز ويغلب العدد الكثيرا
تدفقت الكرات عليه حتى ... رأى في الكر موقفه مبيرا [1]
فدار إلى الخليج يريد أمنًا ... وكان بواره في أن يدورا
مضى يجتاز فوق فخاخ طوغو ... كملاح يحاذر أن يجورا
إلى أن شقت الغمرات فاهًا ... وأصعدت البلايا والسعيرا
فشاهد تحت أخمصه جحيمًا ... وقد فتحت قذائفه حفيرا [2]
كأن جهنما وجدت سبيلاً ... ومطوياتها لقيت نشورا
كأن هناك بركانًا تلظى ... وأطلق في الفضا نارًا ونورا
كأن البحر غضبان عليهم ... لما جروا على الدنيا شرورا
طوى بضميره حنقًا، فلما ... دنا مكروف كاشفة الضميرا
هوت فيه السفينة في خليج ... وكانت قبل تخترق البحورا
على مكروف، قد بكت البواكي ... وأطلقت المدامع والشعورا
ففاض له بأرض الروس دمع ... يؤلف لو يضم معًا غديرا
بمصرعه عزوم الروس خارت ... وحق لها بذلك أن تخورا
رجاء القوم معقود عليه ... ليدفع عنهم الخطب العسيرا
أميرهُمُ وعند أشد ضيق ... يراد لكشفه فقدوا الأميرا
فكان بهديه قمرًا مضيئًا ... وكان بكره أسد مزيرا [3]
وإن الروس لا يسلون عنه ... ولو وجدوا له فيهم نظيرا

(6)
(الوقعة البرية الأولى على نهر يالو في 1 أيار سنة 1904)
أقام الروس في يالو قلاعًا ... على تحصينها صرفوا شهورا
مسيل النهر دونهم فظنوا الـ ... ـعدى لا يستطيعون العبورا
ومن خاض البحور إلى الأعادي ... أيأبى أن يخوض لهم نهورا؟
مشى اليابان لا يخشون بؤسًا ... وماء النهر يكتنف الصدورا
بجيش كل من فيه جريء ... تمنى للأعادي أن يطيرا
وصبوا من مدافعهم كرات ... يفلق عزم صدمتها الصخورا
لئن صبرت جيوش الروس شيئًا ... فبعد هنيهة ولت ظهورا
وأبقت من ذخائرها نهابا ... ومن أعتادها شيئًا كثيرا [4]
ولليابان في الآثار ... شد ... فكم قتلوا وكم أخذوا أسيرا
أتوا أَنْطُنْغَ بالرايات، حتى ... على أسوارها خطرت خطيرا
لعمرك ليس يحمي السور مُدْنًا ... إذا عدمت من التدبير سورا
فهل حدثت في أخبار دلني ... وما شادوا بساحتها قصورا
وما قد أنفقوا عملاً ومالاً ... على المرسى وكيف جرى أخيرا
أباحوها إلى اليابان غنمًا ... وما نالوا على نصب أجورا
ولا عجب لمختال مدل ... إذا أخلى الحواضر والثغورا
إذا غفل الرعاة عن المواشي ... فمن ذا يدرأ الأسد الهصورا
وإن الخاشع اليقظان يكوي ... بحد حسامه البطل الفخورا
كذلك من توخى البغي متنًا ... تراه بدون معثرة عثورا

(7)
(وقعة كنشو)
وكنشو بالمدافع منعوها ... وولوا حفظها جيشًا كبيرا
وظنوا أنها تبقى طويلاً ... وتثبت في خفارتهم دهورا
أغار الخصم منقضًّا عليها ... ونار الروس تكتسح المغيرا
إلى أن كوروا القتلى تلالاً ... وأوشكت المعاقل أن تمورا [5]
رأوا أن العدو يموت طوعًا ... ولا يأبى التقحم والكرورا
ومن رغب المنية وانتحاها ... يبيت عدوه عنها نفورا
بدا للروس أن الفتح دان ... يغذ فلا معين ولا مجيرا [6]
فولوا تاركين على الروابي ... ذخائرهم لأعداهم نصيرا
لقد شمخوا على اليابان لما ... رأوا جنديهم قزما زميرا [7]
وقالوا: سوف نطحنهم فتغدو ... قبورهم الضواري والنسورا
ولكنا على يالو وكنشو ... وجدنا القول بهتانًا وزورا
فعرض الجسم لا يغني فتيلاً ... وطول القد لا يجدي نقيرا
ألست ترى الوليد وفيه حزم ... يسوم الفيل خسفًا والبعيرا
رهام الطير تنخلع ارتياعًا ... إذا رأت البواشق والصقورا


***
وقال في أول القصيد الثانية:
(الوقعة الكبرى في جوار مكدن في 15 شباط سنة 1905)
(1)
بمكدن كور بتكن لَمَّ جيشًا ... وشاد له المعاقل والحصونا
رأى الأعتاد وافرة لديه ... فظن مقامه حرزًا حصينا
ولكن رأي أوياما أراه ... أمورًا خيبت تلك الظنونا
أقام له المراصد في الصياصي ... وبين جفونه بث العيونا [8]
تخبره بما اصطنعوا دفاعًا ... لحوزتهم وكيف يدبرونا
أعد الخطة المثلى ليوم ... يروع حر أزمته السنينا
ورتب للهجوم عليه رأيًا ... يكون لمجد رايته ضمينا
وهز جناحي الجيش التفافًا ... على أعدائه المتحصنينا
رمى اليسرى بكوركي فندزو ... فأكو ثم في نوجي اليمينا
(2)
ودارت للمنون رحى طحون ... لها الأجساد قد صارت طحينا
وطبق كل ناحية دخان ... كثيف أسود يعمي العيونا
وصوت القذف أوقر كل أذن ... فإن سمعته تحسبه طنينا
فليس بمبصر أحد أخاه ... وما هو سامع منه الأنينا
فصار الحزن من دك سهولاً ... وصار السهل من جثث حزونا
لو انقشع الدخان بدت أمور ... ترد المرد شيبًا منحنينا
جيوش كيفما العين استدارت ... تراهم يظهرون ويختفونا
كأن الأرض بالأبطال حبلى ... تدفعهم حيارى صارخينا
فلا حجر تراه العين إلا ... يحجب خلفه منهم جنينا
كأن حجارها الصم استحالت ... رجالاً بالحديد مسربلينا
فلا واد بتك الأرض إلا ... ويخرج من معاطفه كمينا
كأن عقولهم ذهبت شعاعًا ... فليس لهم بها ما يرهبونا
فكل فتى غدا أسدًا هصوراً ... وموطئ رجله أضحى عرينا

____________________________________

(1) المبير: المهلك.
(2) الحفير: القبر.
(3) المزير: الشديد القلب والقوي النافذ.
(4) أعتاد الحرب: أدواتها وعدتها.
(5) المعاقل: الحصون , وتمور: تهتز وتميل إلى السقوط.
(6) يغذ: يسرع في السير.
(7) القزم: الزمير القميء الصغير الجثة الذي لا غناء عنده.
(8) الصياصي: جمع صيصية وهي مرتفعات الأرض والمشارق التي يمتنع بها.


مجلة المنار المجلد العاشر / الصفحة:61

التعليم الأدبي في اليابان


التعليم في اليابان علمي محض وليس للديانة أقل سلطة في المدرسة ففرنسا واليابان هما المملكتان الوحيدتان اللتان نشرتا أصول التهذيب اللاديني العلماني في العالم بأسره.
وفي اليابان فصل التعليم عن الديانة حسب شريعة التهذيب الصادرة سنة 1872م ولا ينحصر ذلك في المدارس العامة بل يشمل المدارس الابتدائية والثانوية حتى التي تنشئها الجمعيات الدينية إذ يحضر عليها أن تلن التعاليم الدينية وهذا الفصل بين التهذيب والديانة كان القاعدة التي جرت عليها الحكومة منذ سنة 1868م أي منذ فتحت البلاد اليابانية للأجانب.

وقبل ذلك العهد لم يكن للحكومة أيسر اهتمام بالتهذيب العام بل تركته للأفراد حاشا بعض المدارس الأريستقراطية المختصة بأبناء الموظفين ولم تكن الحكومة تدير المدارس فقد نحن اليابان في التعليم منحى المدارس الغربية منذ نشر قانون التعليم سنة 1868م وألفت فيها نظارة المعارف عقيب صدوره بسنة فلم تحجم الحكومة عن المفاداة بأعز ما لديها في سبيل الارتقاء ونشر التهذيب بين ظهراني الأمة.

وفكرة التهيب العلماني ليست من ابتداع الحكومة الجديدة بل يجدون ما يشبهها في تاريخ اليابان القديم.
فقسوس البوذيين لم يعلموا الديانة في معاهدهم ولا في مدارسهم المجاورة للهياكل والمعابد ومعظم الطلاب اليابانيين لا يزور الكنيسة المسيحية ولا الهيكل البوذي وإنما تنشئتهم على الآداب وكارم الأخلاق فالتعليم في اليابان علماني محض ليس للديانة تأثير فيه والأهلون راضون بما يعقب ذلك التعليم من النتائج ولهم كل الثقة بالأساتذة الذين يحبهم الطلبة ويحترمونهم.

ليس للحكومة اليابانية ديانة رسمية ولكنها لا تقاوم الأديان بل تترك لكل فرد حريته المذهبية.
الأمر الملكي والتهذيب -. سنة 1890م صدر الأمر الملكي وفيه مثال للتهذيب الأدبي وجب على مدارس اليابان جميعها أن تتحداه وفيه كثير من الآراء التي تتفق مع آراء الفرنساويين وبعضهم يعزو وطنية اليابان إلى ما تبثه المدارس في نفوسهم بمقتضى الأمر الملكي لكنهم واهمون في ذلك لأن حب الوطن إحدى طبائع الرجل الياباني.

والأمر الملكي قسمان أحدهما في التهذيب العام والآخر في التهذيب الوطني وإليك الواجبات التي ذكرت في الأول:
حب البنين لآبائهم. تواد الأخوان والأخوات. اتفاق الزوجين. حفظ عهود الأصدقاء.
الحشمة والاعتدال. الرغبة في خير الجميع. طلب العلوم والفنون. ترقية المواهب العقلية. الاشتراك في خدمة الأمة والوطن. احترام الشورى. طاعة القوانين. تضحية المنافع الشخصية في سبيل المملكة.
والحكومة والإنسانية هي تنطوي على جميع الواجبات ومنها تنشأ فضائل الإخلاص والشهامة والصدق والأمانة والشجاعة والوطنية وهذه هي حقيقة التهذيب الصالحة لجميع الأعصر والأمكنة تشمل الشريعة الأدبية التي يجب أن يخضع لها العالم بأسره.
والقسم الثاني يتفرع عن أحوال الشعب فقد أدبتهم بآداب خاصة وغرست في نفوسهم فضائل ينفردون بها.

الأمة اليابانية عريقة في القدم وهي تعتقد أنها أسرة كبيرة من أصل واحد يقوم الملك عليها بمثابة الوالد واعتقادها هذا سبب احترامها الشديد للإمبراطورية فحب الإمبراطور والوطن واحد في عرفهم والميكادو ممثل الوطن.
ويبالغ اليابانيون في إكرام أسلافهم وتبجيلهم ويستميتون في سبيل الوطن لأنه بلاد آبائهم وأجدادهم ومنذ ستة وعشرين قرناً أسس الإمبراطور الأول المملكة الأولى ولم تنج من الغزاة غير أن أهل البلاد اتحدوا على الذود عن حوضهم فلم يستعبدوا للفاتحين.
ولا يتيسر لمطالع أن يفهم حقيقة احترام اليابانيين للأسرة الملكية وشدة تعلقهم برب السرير ما لم يعرف مبلغ احتفاظ القوم بذكرى أجدادهم وأنساب سلالاتهم فكل فرد منهم يعرف آباءَه إلى عهد بعيد والأسرة المالكة اليوم هي نسل الحكام الذين تعاقبوا على عرش المملكة اليابانية منذ نشأتها حتى عصرنا الحاضر وكلهم من أسرة واحدة.
ويلقب الإمبراطور بابن السماء لأن الشعب يحسبه من سلالة الآلهة ولكن آلهة اليابانيين أسلافهم وأجدادهم فاحترامهم للإمبراطور فيه شيء من مواجب الدين.

وأول تمدن شاهده اليابانيون كان عند مجاوريهم الصينيين غير أنه لم يؤثر في الروح الوطنية شيئاً وكانت قاعدتهم في التهذيب الروح اليابانية ثم الحكمة الصينية ودخلت البوذية إلى اليابان في القرن السادس فكان لها في آداب اليابانيين شأن خطير.
ومنذ إصلاح سنة 1868م طرأ على اليابان تغيرات جمة بانتشار المدنية الغربية ولكن النفس اليابانية لم تفقد شيئاً من خواصها ومزاياها.
وفي كل مدرسة أوقات معينة للتعاليم الأدبية وهي لا تدرس في المعاهد الابتدائية والوسطى بل تتعداها إلى المدارس العليا والتجارية والفنية والطبية وغيرها والغاية من هذا التعليم صقل نفس الطفل وطبعه على المبادئ القويمة ويعلقون عليه شأناً جليلاً فيقولون أن ارتقاء مملكتهم وانحطاطها منوطان به إذ لهم ديانة يتأدبون بآدابها.

وعند اليابانيين سنة يدعونها سنة القربان أو البوشيدو وقد ذكرت فيها آداب هؤلاء وما يجب أن يتحلوا به من الفضائل وفي مقدمتها الإخلاص للإمبراطور وطاعته وفداء النفس من أجل الحاكم والشجاعة والإقدام ويجب عليه أن لا يعرف في حياته الخوف وأن يكون أبداً على أهبة الموت في قتال خصم من أكفائه وأن يجمع بين الصلابة والحزم والجود والسخاء فيحمي الضعفاء ويجير المساكين ويستقيم في أموره وقد خسرت البوشيدو مظهرها القديم ولكنها اكتسبت شكلاً جديداً في نفوس الشعب.

على أن التعليم الأدبي تعترضه عقبات كؤود أهمها إنفاق جل وقت الطالب في دراسته وتحصيله وتخير الأساتذة الكفاة ممن يصح اتخاذهم قدوة في الفضائل الخلقية وكثرة التبدلات في حياة اليابان الاجتماعية بانتشار المبادئ الغربية وتأصلها.
وإذا كانت اليابان قد اقتبست أصول العلوم الحديثة والفنون عن بلاد الغرب فإن التعاليم الأدبية لم تتصل بها عن ذلك الوقت وإنما هي تركة الأسلاف والأجيال القديمة يحرص اليابانيون عليها أشد الحرص ويحفظونها خالصة من شوائب الفساد علماً منهم أن مستقبل مملكتهم معقود بها.

مجلة المقتبس
العدد 68 - بتاريخ: 1 - 10 - 1911

الثلاثاء، 16 مايو 2017

العالمون والعاملون




العدد 11 - بتاريخ: 16 - 12 - 1906

لأمير البيان شكيب أرسلان رحمه الله تعالى

اطلعت في المقتبس على ترجمتكم للأستاذ جول سيمون الفرنسي من فلاسفة هذا القرن فأعجبني تشبيهكم إياه ببعض رجال السياسة في الإسلام ممن أجمعوا بين العلم والعمل أو ممن ترقوا إلى الوزارة من طريق القلم.

وقد ذكرتم من هذه الطبقة طائفة صالحة مثل ابن سينا والصاحب بن عباد والقاضي الفاضل ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم ولو استقصيتم لذكرتم في هذه الجملة ابن الأثير وابن العميد بالمشرق وابن خلدون وأبا بكر بن عمار وابن زمرك في المغرب وكثيراً من الرؤساء وإذا وصل الدور إلى زماننا هذا فجودت باشا وأحمد وفيق باشا بل كوجك سعيد باشا الذي تولى رئاسة الوزراء مراراً وهو من مخرجي صناعة القلم بل من مخرجي كتابة الجرائد السيارة.
وشاء مترجم إفراد هذه الطبقة بالترجمة لملأت تراجمها المجلدات الكبار من القديم والحديث وهي طبقة تمتاز على غيرها بكونها جمعت بين الإدارة والعلم وقرنت بين الحكم والحكم وإن سياستها في الأغلب مبنية على قواعد العلم مستنيرة بضياء الحكمة ومن سعادة العمران أن يكون الحاكم حكيماً.

ولا أريد بذلك تعطيل فضيلة من لم يعرجوا إلى المناصب العالية من طرق الأقلام فإن لهم فضائلهم وإن إدارة الرجال مواهب والعلم علمان غريزي ومكتسب وقد يغني المكتسب عن الغريزي في هذه الأمور لأن الإدارة ترجع إلى العمل والتجربة أكثر مما ترجع إلى العلم والحفظ كما أنه ليس كل من درس وتعلم وركض طرف القلم صالحاً لأن يتولى سياسة الملك وإدارة الجمهور ويخوض غمرات المشاكل لما ذكرنا من كون الإدارة موهبة فطرية تزداد بالتجربة وتزكو بالعمل وإن كل امرئ ميسرٌ لما خلق له.

على أنه لو تبارى العالم العامل المجرب والعامل المجرب بدون علم في مضمار إدارة لكان أولهما هو السابق وكان مذهبه هو الأسلم لأنه يضم إلى نور عقله نتائج قرائح الناس ويبني في عمله على أساس ويضيف إلى منطقه المخلوق معه المنطق المدون الذي حفظه عن الكتب فيجمع بين موهبتي النفس والدرس وينظم بين حاشيتي المطبوع والمسموع فيكون طريقه آمن من الخطر وأقرب إلى الهدى ويبقى مكانه في صدور الناس أهيب من مكان المجرب بدون علم ولا أستاذ.
وشأن هذين الصنفين أحدهما مع الآخر شأن الطبيب القانوني حائز الشهادة مع المجرب الذي اختبر بعض المسائل بنفسه فربما كان المجرب أنفع علاجاً من القانوني ولكن لا يحمل ذلك على ثقة ولا يبعث على طمأنينة وتكون مهارته محصورة في الأمور التي جربها بنفسه فقط ويبقى المتطبب على حذر من طبه وقد يلام من يسلم نفسه إليه ولو أصاب ولا يلم من سلم نفسه إلى القانوني ولو أخطأ وهذا كله من مقتضى مقام العلم.
كذلك خروج رجال السياسة من رواق طلبة الحكمة وصف حملة الأقلام في الأعم الأغلب أقرب إلى لسلامة من خروجهم من طبقة أخرى انحصر فضلها في التجارب الشخصية ولزم أن يخرج صاحبها خارق العادة في الذكاء وبيضة عصره إدراكاً ومضاءً حتى يكون له من عقله مغن عن الدرس فإن طبقة أهل النظر والعمل معاً هي التي جمعت نوراً على نور وضمت بين وحي الصدور ووحي السطور.


وإن مملكة الصين التي فرطت إلى حوض المدنية منذ الآلاف من السنين قد جعلت نظامها من القديم الترقي إلى الإدارة بمعراج الدرس وإن أهم أوضاع مملكتهم هو الامتحان وهو عندهم درجات كلما اجتاز منه الدارس عقبة اعترضته أخرى حتى يجتازها كلها ويكون نيله من مناصب الدولة على قر مضائه في الامتحان ومن كان عندهم أعلى حكمة كان أعلى حكم.

وإنما سلكت حكومات أوروبا في تعليم رجال الإدارة عل أثرهم وإن كانت طريقة هذا التعليم في أوروبا قد تهذبت وترقت وصارت أقرب إلى الفائدة.
فإن الأوروبيين قد جعلوا العلوم فروعاً وأفناناً ورشحوا لكل فن منها طلاباً ليكونوا أقوم عليها من غيرهم وأرسخ فيها من سواهم ومع هذا فلا تزال ترى لرجال القلم المزية الكبرى على غيرهم لأن العلم بلا قلم أشبه بطائر أخص الجناح صاحبه عاجز عن الرقي وإن القلم في كف العالم هو أداة التقدم وجناح النجاح ولهذا تجد أكثر رجال السياسة والإدارة في أوروبا ولاسيما في فرنسا هم من حملة الأقلام وكتاب الصحف ورقاة المنابر ويندر أن يوجد فيهم نابغة أو رجل مشهور إلا وقد سبق له كتابة أو مؤازرة في إحدى الجرائد وذلك أن ثمرات العلم لا تعرف إلا على أسلات الأقلام فمن ظهرت له بينهم آثار فائقة انتخبوه للندوة ثم إن امتاز فيها بين الأقران رفعوه إلى الوزارة سمعاً في إفادة البلاد من معارفه إذ كان العلم على الغالب بالعمل والنظر طريقاً إلى الأثر.

أول سيمون مترجمكم في الشهر الماضي فقد عرفته في باريس سنة 1892م وكان ساكناً في ساحة المادلين وقد ذرف على الثمانين وهو يكتب ويحبر ويؤازر في جملة جرائد وكلماته تشترى بالذهب وكم حبر أغلى من تبر وإلى الآن لا أنسى لذة فصوله القصار في جريدة الطان فإن كتابته آية في الطلاوة والرقة ومثال في سلامة الذوق وسداد الحكم ولقد كانت الحكمة تتفجر من خلال كلماته وقد يعيد القارئ مطالعة كتاباته المرة على المرة ولا يملها من العذوبة والأدب والعلم والعقل وسبحان من خص من شاء بما شاء.

وقد جرت بيني وبينه مباحثات ومراسلات هي عندي من أنفس ذخائر حياتي وكنت أناقشه على بعض أقوال له تتعلق بشريعتنا فإذا أوضحت له الوجه فيها أذعن إلى الحق ولم يكبر ذلك عليه شأن كل عالم كبير لأن العلم إذا خالط النفس صار هو ضالتها وطرد من جواره كل دعوى وصفت تلك النفس لقبول الحقائق وجدير بالبلاد التي يسوس أمورها علماؤها العاملون أن ترقى أعراف الفلاح لأن من أعظم أسباب السعادة أن يكون الفيلسوف والياً أو الوالي فيلسوفاً.


__________________________________

مجلة المقتبس 

باب في حب الولد من كتاب العقد الفريد



أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال:
ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن له أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودّهم، ويحبوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك، ويحبّوا وفاتك. فقال: لله أنت يا أحنف. لقد دخلت عليّ وإني لمملوء غضبا على يزيد، فسللته من قلبي.
فلما خرج الأحنف من عنده بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب.
فبعث يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب، شاطهره إياها.

وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، حتى لامه الناس فيه، فقال:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وقال: إنّ ابني سالما ليحب الله حبّا لو لم يخفه لم يعصه.

وكان يحيى بن اليمان يذهب بولده داود كل مذهب؛ حتى قال يوما: أئمة الحديث أربعة: كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم أنت يا داود.
وقال: تزوّجت أم داود، فما كان عندنا شيء ألفّه فيه، حتى اشتريت له كسوة بدانق.

وقال زيد بن علي لابنه: يا بنيّ، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك. واعلم أن خير الآباء للأبناء من لم يدعه الحبّ إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.
وفي الحديث المرفوع: ريح الولد من ريح الجنة.
وفي أيضا: الأولاد من ريحان الله.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لما بشّر بفاطمة: ريحانة أشمّها ورزقها على الله.

ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: من هذه؟
فقال: هذه تفاحة القلب! فقال له: انبذها عنك، فو الله إنهن ليلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلهن. وربّ ابن أخت قد نفع خاله.

وقال حطّان بن المعلي الطائي:
لولا بنيّات كزغب القطا ... حططن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض
وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض

وقال عبيد الله بن أبي بكرة: موت الولد صدع في الكبد، لا ينجبر آخر الأبد.

ونظر عمر بن الخطاب إلى رجل يحمل طفلا على عنقه، فقال: ما هذا منك؟
قال: ابني يا أمير المؤمنين! قال أما إنه إن عاش فتنك، وإن مات حزنك.

وكانت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ترقّص الحسين بن علي رضي الله عنهما وتقول:
وا بأبي شبه النّبي ... ليس شبيها بعلي 

وكان الزبير يرقص عروة ويقول:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصّدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي

وقال أعرابيّ وهو يرقّص ولده:
أحبّه حبّ الشّحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بدا له

وقال آخر وهو يرقّص ولده:
أعرف منه قلّة النّعاس ... وخفّة من رأسه في راسي

وكان رجل من طيء يقطع الطريق، فمات وترك بنيّا رضيعا، فجعلت أمّه ترقّصه وتقول:
يا ليته قد قطع الطريقا ... ولم يرد في أمره رفيقا
وقد أخاف الفجّ والمضيقا ... فقلّ أن كان به شفيقا

وقال عبد الملك: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نؤدّبه، وكأن الوليد أدّبنا.

وقال هارون الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك فلان؟ قال: مات فاستراح من الكتّاب. قال: وبلغ منك الكتّاب هذا المبلغ. والله لا حضرته أبدا. ووجهه إلى البادية فتعلم الفصاحة، وكان أمّيا، وهو المعروف بابن ماردة.
____________________________________________


ابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ): العقد الفريد 2 / 273-274-275
دار الكتب العلمية - الطبعة: الأولى، 1404 هـ

باب في تأديب الصغير من كتاب العقد الفريد



قالت الحكماء: من أدّب ولده صغيرا سرّ به كبيرا.
وقالوا: أطبع الطين ما كان رطبا، وأعمر العود ما كان لدنا.
وقالوا: من أدّب ولده غمّ حاسده.
وقال ابن عباس: من لم يجلس في الصغر حيث يكره، لم يجلس في الكبر حيث يحبّ.

قال الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقالوا: ما أشدّ فطام الكبير، وأعسر رياضة  الهرم.

قال الشاعر:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم

كتب شريح إلى معلم ولده:
ترك الصّلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرّجّس
فليأتينّك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمّس
فإذا أتاك فعضّه بملامة ... أوعظه موعظة الأديب الكيّس
فإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا بلغت ثلاثة لك فاحبس
واعلم بأنّك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزّ الأنفس

لابن عبد القدوس:
وقال صالح بن عبد القدّوس:
وإنّ من أدّبته في الصّبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد له جهله ... كذي الضّنى عاد إلى نكسه
ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه

وقال عمرو بن عتبة لمعلّم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك، فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت؛ علّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه. روّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإنّ ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم. وعلّمهم سنن الحكماء، وجنّبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك.
_____________________________

ابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ): العقد الفريد 2 / 272-273
دار الكتب العلمية - الطبعة: الأولى، 1404 هـ

السبت، 13 مايو 2017

نحن قد نُبدي التعصّب ولكنا متسامحون، وغيرنا ممن يعيش بيننا يُظهِر التسامح وهو متعصب



يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى:
نحن قد نُبدي التعصّب ولكنا متسامحون، وغيرنا ممن يعيش بيننا يُظهِر التسامح وهو متعصب. 

ونحن في العادة نهرب من إثارة هذه الموضوعات، نُغمِض أعينَنا عنها وهي عن أيماننا وعن شمائلنا وهي ماثلة بين أيدينا، فهل نصير كالنعامة التي كذبوا عليها فزعموا أنها تدفن رأسها في الرمل، تظنّ أنها إن لم ترَ عدوّها فإنه لا يراها؟ 
وهي لا تفعل ذلك ولكنها فرية افتروها عليها، وهي لا تملك لساناً تردّ به عن نفسها، أما أنا فإني أملك بحمد الله لساني وقلمي.

لقد جاء في هذا الكتاب سؤال وضعه عنواناً كبيراً لفصل طويل هو: «هل النصارى كفار؟». 
إنه عنوان يُخيف كل راغب في وحدة الصفّ محبّ لدوام الألفة خائف من التصدّع والانقسام، لذلك نبتعد عنه. 
ولقد أُلقيَ عليّ هذا السؤال من قبلُ في مجلس كان فيه جمع كبير من قضاة الشرع والمشايخ ومن كبار رجال الدين من النصارى، وكان يحضره وزراء، وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية. ألقي عليّ وأجبت عنه.

ذلك أنه كان من عادة رؤساء الجمهورية في دمشق أنهم يَدْعون القضاة والعلماء ومَن يسمّونهم برجال الدين إلى مائدة الإفطار في رمضان. 
وقد ذهبتُ مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسين هاشم بك الأتاسي وشكري بك القوّتلي رحمة الله عليهما، فجمع أحدُهما بيننا نحن قضاة الشرع والمشايخ ورجال الدين من النصارى، وكانت أحاديث مما يُتحدّث به في أمثال تلك المجالس، أحاديث تمسّ المشكلات ولا تخترقها وتَطيف بها ولا تداخلها، ففاجأَنا مرة واحدٌ من كبارهم يعتب علينا أننا ندعوهم كفاراً.

فجزع الحاضرون ووجموا وعرَت المجلسَ سكتةٌ مفاجئة، فقلت للرئيس: تسمح أن أتولى أنا الجواب؟ 
وسألته: هل أنت مؤمن بدينك؟ 
قال: نعم. 
قلت: ومَن هم الذين تدعوهم مؤمنين به؟ أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ 
قال: بلى. 
قلت: وماذا تسمّي من لا يعتقد بذلك؟ 
ألا تدعوه كافراً؟ 
فسكت. 
قلت: إن الكافر عندك هو الذي يرفض أن يأخذ بما تراه أنت من أُسُس الدين وأصول العقائد، وكذلك نحن، فالناس عندنا بين مسلم يؤمن بما نؤمن به من رسالة محمد وأن القرآن أنزله الله عليه وآخر لا يؤمن بذلك فنسمّيه كافراً، فهل أنت مسلم؟
فضحك وقال: لا طبعاً. 
قلت: وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمن بما لدى النصارى أو كافر به؟ 
فسكت وسكتوا. 
قلت: أنا أسألك، فإن لم تُجِب أجبتُ عنك. 
أنا عندك كافر لأني لا أعتقد بأن المسيح ابن الله ولابأنهم ثلاثة الأب والابن والروح القدس والثلاثة واحد ولا بمسألة الفداء، ولا بأمثال ذلك مما هو من أصول عقائد النصارى. 
وأنت عندي كافر لأنك تقول بها، فلماذا تُنكِر عليّ ما تراه حقاً لك؟ 
إن ديننا ظاهر مُعلَن ليس فيه خبايا ولا خفايا ولا أسرار، والقرآن يُتلى في كل إذاعة في الدنيا (حتى إنني سمعته مرة من إذاعة إسرائيل) والقرآن يقول: {لقَدْ كفَرَ الذينَ قالوا إنّ اللهَ هُوَ المَسيحُ} ويقول في الآية الثانية: {لقَدْ كفَرَ الذينَ قالُوا إنّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ}؛ فالكفر والإيمان إذن مسألة نسبية، ما تسمّيه أنت كفراً أسمّيه أنا إيماناً، وما أسمّيه أنا كفراً تسمّيه أنت إيماناً، واللهُ هو الذي يفصل بيننا يوم القيامة. فسكتوا.

ذكريات 7 / 368-369-370

الخميس، 11 مايو 2017

مسألة الأزياء والعادات من مشخصات الأمم


رمضان - 1334هـ
يوليو - 1916م

الكاتب: العلامة محمد رشيد رضا



زي الأمة من مشخصاتها ينبغي لها أن تحافظ عليه وأن تحترمه وتحتقر من يحتقره كما تحترم العلم الذي هو شارة حكومتها، فالعلم لا يحترم لشكله ولا للونه أو ألوانه، وليس من العقل ولا من الحكمة أن تذم الأعلام أو تُمدح لشكلها أو ألوانها، وكذلك أزياء الأمم من حيث هي أزياؤها، ولكن بين الزي والعلم فرقًا واحدًا وهو أن الزي يُقصد به من المنفعة ما لا يقصد بالعلم، فإذا اشترك مع العلم في أن كلاً منهما مشخص للأمة مهما يكن شكله ولونه وصفته فإنهما يفترقان في أن بعض الأزياء لا تفي بما يقصد بها من وقاية الجسم من أذى الحر أو البرد أو سهولة القيام بالأعمال العسكرية والصناعية والزراعية.

ومن الناس من يرجع في اختيار الأزياء إلى مراعاة الذوق والجمال، ولكن هذا ليس له قاعدة ثابتة، وإنما يستحسن جماهير الرجال في كل أمة ما يختاره كبراؤها وحكامها، وإنما يعنى بالذوق والجمال في زي النساء وهن في كل آونة يستحدثن زيًّا جديدًا يبطلن به ما كان قبله مستحسنًا، ولا يرجع ذلك إلى فضيلة في زي اليوم على زي أمس تثبت بدليل علمي أو عقلي، وإنما فائدة الجديد لهن جذب الأنظار إلى السابقات إليه، وفائدته المالية لتجار الأنسجة وصناعة الخياطة لا تخفى ويقابل ربح هؤلاء من الأزياء خسارة المسرفات فيها، فكم من بيوت خربت بمثل هذا الإسراف.

من أكبر جنايات الأفراد على أمتهم أن يحتقر أحد منهم زيها، ويستبدل به زي أمة أخرى تقليدًا وتفضيلاً لها، فإذا كان بعض أزيائها ضارًّا بها، فالواجب في استبدال غيرها به أن يكون برأي أهل الحل والعقد فيها، الذين يراعون في التغيير المنفعة دون التقليد الذي يبث في الأمة الشعور بمهانتها وتفضيل غيرها عليها، وقد وفينا هذا الموضوع حقه من البيان في المنار وقبل المنار في كتابنا الحكمة الشرعية الذي كتبناه في عهد طلب العلم، واقتبسنا منه نبذا في المنار إذ طرقنا باب هذا
البحث مرارًا.
ولست أبحث الآن في أزيائنا هل يحسن تغيير شيء منها وكيف ينبغي أن يكون التغيير، وإنما أريد أن أقول: إن بعض الإفرنج ينفرون من أزياء الشرقيين ويكرهون أن يأكل في مطاعمهم الخاصة بهم وبالأغنياء المتفرنجين منا من لا يلتزم عاداتهم وآدابهم في الطعام، ومنهم من يرى أن كل من لا يلبس الزي الإفرنجي لا ينبغي أن يأكل في تلك المطاعم، ولهم في ذلك أعذار ومآرب، وقد روت جريدة
وادي النيل الإسكندرية أن اثنين من المعممين دخلا مطعمًا إفرنجيًّا فطُردا منه لأنهما معممان، وقالت في لومهما: إنه لا يبعد أن يكونا ذهبا منه إلى آخر مثله لعله يقبلهما. وأشارت أيضا إلى انتقاد صاحب المطعم الإفرنجي.

أما نحن فإننا نختص باللوم فريقين من أمتنا: فريق الذين يتصدون لمؤاكلة الإفرنج في مطاعمهم، وهم لا يلتزمون آدابهم وعاداتهم، ومنهم من لا يلتزم الآداب الإسلامية التي هي أرقى الآداب، وفريق المتفرنجين الذين يحتقرون زي أمتهم وعاداتها وآدابها، ويستبدلون بها غيرها تقليدًا للأغيار وتفضيلاً لهم على أنفسهم، ويكونون آلة لإضعاف مشخصات أمتهم ومقوماتها وهم لا يشعرون بما وراء ذلك كما يشعر به غيرهم، ومن أراد أن يعرف رأي الإفرنج في ذلك فليقرأ خطبة الدكتور سنوك المستشرق
الهولندي في الإسلام ومستقبله التي ألقاها في جامعة كولومبيا من الولايات المتحدة، وقد نشرنا ترجمتها في المجلد السابع عشر من المنار مع تعليق طويل عليها، ومن أراد أن يعرف قيمة هؤلاء المتفرنجين في نفس الإفرنج فليقرأ ما كتبه في شأنهم لورد كرومر في كتابه (مصر الحديثة).
من أهان أمته باحتقار شيء من مقوماتها أو مشخصاتها بإزاء احترام ما يقابل ذلك من أمة أخرى فقد احتقر نفسه أشد الاحتقار، وما قيمة الرجل الذي ليس له أمة محترمة في نفسه، ومن ذا الذي يكرم من يحتقر نفسه باحتقار أمته.
ومن لم يكرم نفسه لم يكرم ...
إذا ما أهان امرؤ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه

يجب على كل من أوتي نصيبًا من الفهم أو حظًّا من الشرف أن يقاوم جهد طاقته كل ما فيه احتقار لأمته مهما يكن رأي المحتقر وقصده، ومن ذلك أن لا يأكل أحد من المصريين في مطعم يهين أصحابه مصريًّا لزيه أو عادته أو غير ذلك، ولا أن يشتروا شيئًا من تاجر يهين مصريًّا، ويجب على أمثال هؤلاء أن يبذلوا جهدهم لمنع الإهانة عن أمتهم وإغنائها عن معاملة كل من يقصر في احترامها، وإنما
يتيسر هذا بتعاضد الأندية والجمعيات الأدبية والشركات التجارية.

كانت شركات البواخر الإفرنجية في الخط الذي بين الهند وخليج فارس وشط العرب تحتقر المسافرين فيها من العرب والفرس ولا تسمح لهم بالأكل على مائدة الدرجة الأولى فلما أنشأ تجار العرب في بومبي شركة البواخر العربية زال ذلك الاحتقار وبطلت تلك المعاملة.
واتفق لي منذ بضع عشرة سنة أنني دخلت مطعمًا سوريًّا في القاهرة وقت العشاء وجلست إلى مائدة من موائده فطلب رجل إنكليزي أن أترك تلك المائدة؛ لأنه يجلس إليها للطعام ولا يحب أن يأكل مع شيخ أزهري، فلم أبالِ بطلبه، فطلب من صاحب المطعم ذلك فاعتذر إليه بأنه لا يمكنه ذلك، وقد سألت عن اسم الرجل وعمله وذكرت ذلك لصديقي مستر متشل أنس الذي كان وكيلاً لنظارة المالية وقتئذ فاستاء من ذلك وكتب كتابًا إلى رئيس ذلك الرجل في مصلحة السكة الحديدية كلفه فيه أن يلزمه الاعتذار إليّ، وأخذت الكتاب بنفسي وعدت راضيًا مكرمًا.
ولا يخفى على عاقل أن ما نحتاج إلى اقتباسه من علوم أوربة وفنونها وصناعاتها لا يقتضي هذا التفرنج الذي نذمه ولا يأتي من طريقه بل ينافيه؛ لأن التفرنج تقليد في الأزياء والعادات يحدث التفرق في الأمة وانحلال روابطها واقتباس العلم النافع والعمل الرافع يجب أن يكون بطريق الاستقلال لا التقليد، وأن تراعى فيه حاجة الأمة في العمل ويقصد به ترقية ثروتها وعزة دولتها، ولم نرَ هؤلاء المتفرنجين من الترك والمصريين ساروا على ذلك الدرب وصلوا إلى هذه الغاية، بل هم الذين نسفوا ثروة بلادهم وقطعوا روابطها حتى وصلت إلى ما هي عليه، وليس في بلادهم شيء من العمران إلا وقد كان بعمل الأجانب ومعظم فائدته لهم، وإنما سار على ذلك شعب اليابان الذي شرع في اقتباس الفنون الأوربية بعد الترك والمصريين منا، فكل طلاب العلوم منهم في أوربة يتلقون العلوم العملية، إذ يتلقى الطلاب منا العلوم النظرية والسياسية، وكانوا مثال الجد والعمل والاقتصاد، إذ كان
أكثر طلابنا مظهر الفسق والسرف والفساد.

وإليك من العبرة هذا المثال: كان بعض الأوربيين والأوربيات مع بعض اليابانيين في بلاد اليابان فخلع ياباني نعله في المجلس، فأنكر عليه ذلك بعض الأوربين؛ لأن خلع النعال أو الجلوس بغير نعلين مستهجن في عاداتهم ولا سيما حيث يوجد النساء، فقال الياباني: أنا ياباني لا أوربي وهذه البلاد يابانية لا أوربية فبأي حق تطالبوننا باتباع عاداتكم في بلادنا والواجب عكسه؟ أو قال كلاما بهذا المعنى، فهذه هي الوطنية لا ما يتشدق به المتفرنجون الذين لا يعقلون عاقبة ما يأتون وما يدعون.

قلنا: إن اقتباس الفنون النافعة من الغربيين، وكذا ما يستلزمه من اعترافنا بجهلنا وبحاجتنا إلى علمهم، لا يعد احتقارًا للأمة بل إصلاحًا، ونقول أيضًا: إننا في حاجة إلى الإصلاح في كثير من العادات الضارة، وإن ذلك لا يعد احتقارًا للأمة وطالما كتبنا في ذلك، ومن أبواب المنار الواسعة باب: البدع والخرافات والتقاليد والعادات، وإنما الواجب أن نعتمد في هذا الإصلاح على شريعتنا وهي أكمل الشرائع وآداب ديننا وهي أكمل الآداب.

مجلة المنار المجلد التاسع عشر/ الصفحة: 125